(غَيْرَ حَجٍّ وَعُمْرَةٍ) قلنا القاعدة: النفل لا يلزم بالشروع .. لا يلزمه الإتمام، لكن لو حج فرضًا ثم حج نافلة، أو اعتمر نفلًا، فأفسد الحج النفل، وأفسد العمرة النافلة.
قال أهل العلم: يلزمه الإتمام، إذًا: خرجنا عن القاعدة، الأصل أنه لا يلزمه الإتمام، نقول: هذا خروج عن القاعدة لاستثناء، ولا شك أن كل قاعدة لها مستثنياتها، حينئذٍ ما العلة في الاستثناء؟
نقول: العلة قوله تعالى: (( وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ) ) [البقرة:196] وجاء الحكم هنا عامًا، فيشمل الحج الصحيح والحج الفاسد، ويشمل العمرة الصحيحة والعمرة الفاسدة، حينئذٍ يلزمه الإتمام ولا يجوز له الخروج البتة.
لكن هنا المصنف علل بتعليل آخر قال: (غَيْرَ حَجٍّ وَعُمْرَةٍ) يعني: من تلبس بحج تطوع فعليه إتمامه ولا يجوز قطعه.
قال: (لِوُجُوبِ مُضِيٍّ فِي فَاسِدِهِمَا) لأن الصحابة حكموا بأنه لو فسد حجه أو عمرته وجب عليه أن يتم الحج والعمرة، وحُكي إجماع الصحابة على ذلك، كمن جامع قبل التحلل الأول فسد حجه، حينئذٍ نقول له: وجب عليك الإتمام، ولو كان في الأصل نافلة.
(لِوُجُوبِ مُضِيٍّ فِي فَاسِدِهِمَا) بخلاف الصلاة وغيرها.
{فَإِتْمَامُ صَحِيحِ تَطَوُّعِهِمَا أَوْلَى بِوُجُوبِ الْمُضِيِّ فِيهِ} يعني: عندنا حج فاسد، وعندنا حج صحيح نافلة، فإذا وجب إتمام الحج الفاسد فمن باب أولى أن يلزم إتمام الحج الصحيح إذا كان نافلة.
وأيضًا {لِمُسَاوَاةِ نَفْلِهِمَا} يعني: حكم نفله كحكم فرضه، يعني: لا يختلفان.
{وَلِمُسَاوَاةِ نَفْلِهِمَا لِفَرْضِهِمَا نِيَّةً أَيْ: فِي النِّيَّةِ} الدخول في النسك.
{وَكَفَّارَةً أَيْ: وَفِي الْكَفَّارَةِ} فيما يعلق بجبر الدم ونحوه.
{وَغَيْرَهُمَا كَانْعِقَادِ الإِحْرَامِ لازِمًا فِي حَقِّ مَنْ لَزِمَهُ الْحَجُّ وَغَيْرُهُ} .
فوجب أن يتساويا في الإتمام واللزوم.
قال البرماوي: على أن هذا السؤال قد أُفسد من أصله، يعني: هذا الاعتراض على هذه القاعدة بالحج وهو نفل مع أنه يلزم الإتمام وكذلك العمرة، السؤال والاعتراض من أصله فاسد، لماذا؟
قال: لأن الحج لا يمكن أن يقع نافلة، وكذلك العمرة لا تقع نافلة؛ لأنه إما أن يكون فرض عين وإما أن يكون فرض كفاية، ومر معنا أن فرض الكفاية يلزم بالشروع كفرض العين.
إذًا: السؤال من أصله والاعتراض يكون ساقطًا.
قال: لأن الحج لا يمكن وقوعه تطوعًا، بل لا يكون إلا فرض كفاية، فإن إقامة شعار البيت من فروض الكفايات، ولذلك لو قيل بأنه قد حج الناس كلهم يعني: جاءوا بفرض العين، لزم الأمة أن ينتدب منهم طائفة يحجون البيت ولو حجوا فرض العين، لماذا؟ لأنه يجب إقامة شعائر الحج في كل عام، فإن تقرر أنهم قد حجوا العين حينئذٍ لزمهم وصار فرض كفاية.
قال: وهي تلزم بالشروع على الأصح.
{وَعَنْ الإِمَامِ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى} ثَمَّ روايات أخرى في بعض النوافل، والصواب هو ما قدمه المصنف رحمه الله تعالى، والله أعلم.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين ... !!!