(لِلتَّنْزِيهِ) يعني: خُص بمصطلح خاص، فإذا قيل: هذا مكروه انصرف إلى نوع واحد وهو ما نُهي عنه نهي تنزيه، يعني: ما اقتضى الخطاب تركه اقتضاء غير جازم، فإذا أطلق في عرف المتأخرين انصرف إلى هذا النوع، فهو حقيقة عرفية.
{يَعْنِي أَنَّ الْمُتَأَخِّرِينَ اصْطَلَحُوا عَلَى أَنَّهُمْ إذَا أَطْلَقُوا الْكَرَاهَةَ، فَمُرَادُهُمْ التَّنْزِيهُ، لاَ التَّحْرِيمُ، وَإِنْ كَانَ عِنْدَهُمْ لاَ يَمْتَنِعُ أَنْ يُطْلَقَ عَلَى الْحَرَامِ} لا بأس به.
{لَكِنْ قَدْ جَرَتْ عَادَتُهُمْ وَعُرْفُهُمْ: أَنَّهُمْ إذَا أَطْلَقُوهُ أَرَادُوا التَّنْزِيهَ لا التَّحْرِيمَ. وَهَذَا مُصْطَلَحٌ لاَ مُشَاحَّةَ فِيهِ} .
ثم بين الإطلاقات الأخرى عند المتأخرين كذلك، مما لا يُمنع.
قال: (وَيُطْلَقُ عَلَى الْحَرَامِ) يعني: يُعبّر ويُطلق على الحرام بأنه مكروه، وهذا جاء في الشرع.
{وَهُوَ كَثِيرٌ فِي كَلامِ الإِمَامِ أَحْمَدَ رحمه الله تَعَالَى، وَغَيْرِهِ مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ. وَمِنْ كَلامِهِ: أَكْرَهُ الْمُتْعَةَ، وَالصَّلاةَ فِي الْمَقَابِرِ وَهُمَا مُحَرَّمَانِ} .
أكره المتعة وهي حرام عنده، فعبّر أو أطلق الكراهة عن التحريم، وكذلك الصلاة في المقابر هي محرمة.
{لَكِنْ} كقاعدة {لَوْ وَرَدَ عَنْ الإِمَامِ أَحْمَدَ الْكَرَاهَةُ فِي شَيْءٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَدُلَّ دَلِيلٌ مِنْ خَارِجٍ عَلَى التَّحْرِيمِ وَلاَ عَلَى التَّنْزِيهِ} .
يعني: قاعدة مذهبية، إذا قلنا بأن الإمام أحمد يُطلق المكروه على التحريم أو على الحرام، حينئذٍ إذا جاء في كلام الإمام أحمد وقد دل دليلٌ على أنه أراد التنزيه حُمل على التنزيه، أو دل دليل على أنه أراد التحريم حُمل على التحريم، لكن عند عدم القرينة والدليل على تعيين ما أراده حينئذٍ ماذا نصنع في كلام الإمام أحمد؟
قال: فَلِلأَصْحَابِ فِيهَا وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمُرَادَ التَّحْرِيمُ فيُحمل على التحريم مطلقًا.
{وَاخْتَارَهُ الْخَلاَّلُ وَصَاحِبُهُ عَبْدُ الْعَزِيزِ وَابْنُ حَامِدٍ وَغَيْرُهُمْ} ولعله التحريم لأنه هو الغالب في استعمال السلف، فإذا كان كذلك فإذا أطلقه ولم يقيده حينئذٍ حملناه على التحريم.
{وَالثَّانِي: أَنَّ الْمُرَادَ التَّنْزِيهُ} .
حُمل على مصطلح المتأخرين.
وَاخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الأَصْحَابِ.
{وَمِنْ كَلامِ أَحْمَدَ: أَكْرَهُ النَّفْخَ فِي الطَّعَامِ} حينئذٍ هل هو كراهة تحريم أو تنزيه؟
{وَإِدْمَانَ اللَّحْمِ} هذا هل هو كراهة تنزيه أو تحريم؟
{وَالْخُبْزِ الْكِبَارِ} كذلك {وَكَرَاهَةُ ذَلِكَ لِلتَّنْزِيهِ} .
يعني: حُملت للتنزيه.
قال في شرح التحرير: وفيه وجه ثالث يرجع إلى القرائن وهو أظهر الأوجه.
{وَقَدْ وَرَدَ الْمَكْرُوهُ بِمَعْنَى الْحَرَامِ فِي قَوْله تَعَالَى: (( كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا ) )} .
(وَتَرْكُ الْأَوْلَى) يعني: كما يُطلق المكروه على الحرام، كذلك يطلق على ترك الأولى.