فهرس الكتاب

الصفحة 466 من 1890

حينئذٍ هذه الأمور المشتبهات التي يتردد فيها الإنسان هل هي حلال أو حرام؟ يطلق عليها أنها مكروهة.

ومن هنا جاء صنيع كثير من الفقهاء: يُكره استعمال الماء المشكوك فيه مثلًا، بناء على هذه القاعدة، فلا نحتاج إلى أن نقول في كل مكروه: الصحيح أنه ليس بمكروه لعدم الدليل الخاص، نقول: لا، المكروه قد يكون له دليل خاص وقد يكون له دليل عام، حينئذٍ الكراهة تثبت بالدليل الخاص وتثبت بالدليل العام.

فعند انتفاء الدليل الخاص لا يلزم منه ارتفاع الكراهة؛ لأنها قد تثبت بالدليل العام.

وكذلك الواجبات نقول: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وهذا دليل عام، قد يشترك معه دليل خاص فيجتمعان .. الوجوب بالقاعدة وبالدليل الخاص، وقد لا يوجد دليل خاص، حينئذٍ لا نقول: لم يجب، والصحيح عدم وجوبه لعدم الدليل الخاص، لماذا؟

لأن الواجبات، والمحرمات، والمكروهات، والمندوبات .. كلها قد تثبت بأدلة خاصة يعني بالمقصود نفسه، وقد تثبت بأدلة عامة، ولا إشكال بين أهل العلم في هذه القاعدة.

قال: (وَيُقَالُ لِفَاعِلِهِ) {أَيْ: فَاعِلِ الْمَكْرُوهِ} إذا تلبس به.

(مُخَالِفٌ، وَمُسِيءٌ، وَغَيْرُ مُمْتَثِلٍ) مَعَ أَنَّهُ لاَ يُذَمُّ فَاعِلُهُ، وَلا يَأْثَمُ عَلَى الأَصَحِّ.

قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ رحمه الله تعالى -فِيمَنْ زَادَ عَلَى التَّشَهُّدِ الأَوَّلِ-: أَسَاءَ عبّر عنه بالإساءة.

وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ -فِيمَنْ أُمِرَ بِحَجَّةٍ أَوْ عُمْرَةٍ فِي شَهْرٍ، فَفَعَلَهُ فِي غَيْرِهِ-: أَسَاءَ لِمُخَالَفَتِهِ.

وَذَكَرَ غَيْرُهُ -فِي مَأْمُومٍ وَافَقَ إمَامًا فِي أَفْعَالِهِ-: أَسَاءَ.

وقيل: {تَخْتَصُّ الإِسَاءَةُ بِالْحَرَامِ. فَلا يُقَالُ: أَسَاءَ، إلاَّ لِفِعْلٍ مُحَرَّمٍ} .

ولذلك قيل: السيئة مأخوذة من السوء، وهذه هي أصل المادة فيها.

{وَذَكَرَ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ: يَأْثَمُ بِتَرْكِ السُّنَنِ أَكْثَرَ عُمْرِهِ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ: مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ} .

إن كان الترك للإعراض قد يُسلَّم، إن كان الترك لا للإعراض فلا يسلّم، فرق بين الإعراض وعدمه.

ليس كل ترك يستلزم الإعراض، الإعراض يعني: عدم المبالاة، ولا يلتفت ولا يعنيه ولا يهمه هذه السنن، حينئذٍ نقول: هذا معرض، قد يقال ذلك، لكن إذا كان لأمر آخر كشغل ونحوه نقول: هذا لا يستلزم الإثم.

{وَلأَنَّهُ مُتَّهَمٌ أَنْ يَعْتَقِدَهُ غَيْرَ سُنَّةٍ} والأصل عدم التهمة.

وَاحْتَجَّا بِقَوْلِ أَحْمَدَ رحمه الله تعالى -فِيمَنْ تَرَكَ الْوِتْرَ-: رَجُلُ سُوءٍ، مَعَ أَنَّهُ سُنَّةٌ.

قَالَ فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ: وَاَلَّذِي يَظْهَرُ: أَنَّ إِطْلاقَ الإِمَامِ أَحْمَدَ: أَنَّهُ رَجُلُ سُوءٍ، إِنَّمَا مُرَادُهُ مَنْ اعْتَقَدَ أَنَّهُ غَيْرُ سُنَّةٍ، وَتَرَكَهُ لِذَلِكَ. فَيَبْقَى كَأَنَّهُ اعْتَقَدَ السُّنَّةَ الَّتِي سَنّهَا الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيْرَ سُنَّةٍ، فَهُوَ مُخَالِفٌ لِلرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمُعَانِدٌ لِمَا سَنَّهُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت