أَوْ أَنَّهُ تَرَكَهُ بِالْكُلِّيَّةِ، وَتَرْكُهُ لَهُ كَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ فِي قَلْبِهِ مَا لاَ يُرِيدُهُ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
على كلٍ: هذه إطلاقات من أهل العلم يؤخذ منها ما يوافق الدليل ويُترك ما يخالف الدليل، أما التأثيم فهذا يحتاج إلى نص ولا نص.
قال: (فَصْلٌ: الْمُبَاحُ لُغَةً: الْمُعْلَنُ وَالْمَأْذُونُ) .
هذا الفصل عقده في الحكم الخامس وهو الإباحة، وهو ليس من الأحكام التكليفية وعليه أربع كما سيأتي.
(الْمُبَاحُ لُغَةً: الْمُعْلَنُ وَالْمَأْذُونُ) .
{قَالَ فِي الْبَدْرِ الْمُنِيرِ: بَاحَ الشَّيْءُ بَوْحًا -مِنْ بَابِ قَالَ- ظَهَرَ، وَيَتَعَدَّى بِالْحَرْفِ، فَيُقَالُ: بَاحَ بِهِ صَاحِبُهُ، وَبِالْهَمْزَةِ أَيْضًا، فَيُقَالُ: أَبَاحَهُ} يتعدى بالباء وبالهمزة.
{وَأَبَاحَ الرَّجُلُ مَالَهُ: أَذِنَ فِي الأَخْذِ وَالتَّرْكِ، وَجَعَلَهُ مُطْلَقَ الطَّرَفَيْنِ، وَاسْتَبَاحَهُ النَّاسُ: أَقْدَمُوا عَلَيْهِ} .
قال الطوفي: هو مشتق من الإباحة وهي الإظهار، وقيل: من باحة الدار وهي ساحتها، وفيه معنى السعة وانتفاء العائق.
إذًا: فيه معنى الإعلان وفيه معنى الإذن، وفيه معنى السَّعة وانتفاء العائق، فإذا أباح الله عز وجل للخلق شيئًا فقد وسَّع عليهم.
(وَشَرْعًا: مَا خَلَا مِنْ مَدْحٍ وَذَمٍّ لِذَاتِهِ) .
(وَشَرْعًا) أَيْ: وفِي اصْطِلاحِ أَهْلِ الشَّرْعِ.
(مَا) أَي: فِعْلُ مُكلفٍ. (خَلَا مِنْ مَدْحٍ) يعني: لا يُمدح إن فعله أو تركه.
(وَذَمٍّ) كذلك.
{فَخَرَجَ الْوَاجِبُ} لأنه إن فعله مُدح، وإن تركه ذُم.
{وَالْمَنْدُوبُ} يُمدح على فعله.
{وَالْحَرَامُ} يُذم على فعله.
{وَالْمَكْرُوهُ} يُمدح على تركه.
{لأَنَّ كُلاًّ مِنْ الأَرْبَعَةِ لاَ يَخْلُو مِنْ مَدْحٍ أَوْ ذَمٍّ، إمَّا فِي الْفِعْلِ، وَإِمَّا فِي التَّرْكِ} .
إذًا: (خَلَا مِنْ مَدْحٍ وَذَمٍّ) بقي نوعٌ من المباح وهو ما كان وسيلة إلى غيره، هذا يُمدح على فعله ويُذم على تركه.
وقال: (لِذَاتِهِ) لإخراج هذا النوع؛ لأنه لما كان وسيلة إلى واجب، حينئذٍ رُتب عليه حكم الواجب، وما هو حكم الواجب؟ ما يُثاب فاعله ويعاقب تاركه، بناء على القاعدة الكلية الأم وهي: الوسائل لها أحكام المقاصد.
وكذلك ما كان وسيلة من المباح إلى الحرام أخذ حكمه.
هنا قال: {لِذَاتِهِ مُخْرِجٌ} لنوع من المباح، تعلَّق به شيء آخر، بأن كان وسيلة إلى واجب أو غيره.
قال: {قَوْلُهُ (لِذَاتِهِ) مُخْرِجٌ لِمَا تَرَكَ بِهِ حَرَامًا فَإِنَّهُ يُثَابُ عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ تَرْكِ الْحَرَامِ، وَمُخْرِجٌ أَيْضًا لِمَا تَرَكَ بِهِ وَاجِبًا، فَإِنَّهُ يُذَمُّ مِنْ تِلْكَ الْجِهَةِ، فَلاَ يَكُونُ الْمَدْحُ وَالذَّمُّ لِذَاتِهِ فِي الصُّورَتَيْنِ} .
إذًا المباح نوعان: مباح خلا عن مدحٍ وذم، وهو الذي أراد حده هنا في هذا المحل، ومباح لم يخل عن مدح وذم، وهذا ليس مرادًا هنا.
قال: (وَهُوَ وَوَاجِبٌ نَوْعَانِ لِلْحُكْمِ) اختُلف في المباح: هل هو جنسٌ للواجب أم نوعان للحكم؟