إذا قلت: جنس للواجب فالواجب نوع من أنواع المباح، وهذا باطل؛ لأن الجنس يوجد في ضمن نوعه، ومعلوم أن المباح فيه تخيير مطلق، حينئذٍ لزم من ذلك أن يكون الواجب فيه تخيير مطلق، وهذا ممنوع، فإذا كان كذلك فليس المباح جنسًا للواجب.
هل هو جنسٌ للواجب أم نوعان للحكم؟
قال المصنف مرجحًا الثاني: {وَهُوَ أَيْ: الْمُبَاحُ، وَوَاجِبٌ نَوْعَانِ مُنْدَرِجَانِ تَحْتَ جِنْسٍ، وَهُوَ فِعْلُ الْمُكَلَّفِ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: لِلْحُكْمِ مَجَازًا} .
ودليله أنه لو كان المباح جنسًا للواجب لاستلزم النوع -أعني الواجب- التخيير بين فعله وتركه؛ لأن الجنس لا بد أن يوجد في ضمن نوعه، فكما أن الجنس الذي هو المباح فيه تخيير بين فعله وتركه لزم من ذلك أن يكون الواجب وهو نوع تحته أن يكون فيه تخيير بين فعله وتركه، والتالي ظاهر الفساد فالمقدَّم مثله، ولا إشكال في ذلك.
قال رحمه الله تعالى: (وَلَيْسَ مَأْمُورًا بِهِ) يعني ليس المباح مأمورًا به عند الأربعة، وهو كذلك، لكن ما المراد هنا: (لَيْسَ مَأْمُورًا بِهِ) متى؟
إن لم يكن وسيلةً إلى واجب أو مندوب، وهذا الذي نتحدث عنه في هذا الفصل؛ لأنه قيل بأنه مأمور به بناء على أنه ما من مباح إلا وهو إما أن يكون وسيلة إلى واجب أو مندوب، أو يكون التلبس به انشغال عن الحرام والمكروه، ولو نظرنا بهذه النظرة لسلّمنا؛ لأنه ما من مباح إما أن يكون وسيلة إلى واجب أو مندوب فله حكمه، وإما أن يشتغل به عن الحرام، فكل من تلبس بمباح انشغل به عن الحرام، حينئذٍ يكون ممدوحًا، لكن ليس بحثنا في هذه المسألة أو في المباح من هذه الجزئية.
{وَلَيْسَ الْمُبَاحُ مَأْمُورًا بِهِ عِنْدَ الأَرْبَعَةِ} . يعني لذاته؛ لأن الأمر يستلزم ترجيح الفعل، يعني: ترجيح الفعل على الترك، إما مع الإلزام وهو في الواجب، وإما مع عدم الإلزام وهو في المندوب، ولا ترجيح في المباح، ولأن في الشريعة مباحًا غير مأمور به إجماعًا.
{وَخَالَفَ الْكَعْبِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ} .
ونقل الباقلاني والغزالي عنه أنه مأمور به دون المندوب، كمرتبة المندوب إلى الواجب.
قَالَ ابْنُ الْعِرَاقِيِّ: وَمِنْ الْعَجَبِ مَا حكاه عنه إمامُ الْحَرَمَيْنِ وَابْنُ بُرْهَانٍ وَالآمِدِيُّ: مِنْ إنْكَارِ الْمُبَاحِ فِي الشَّرِيعَةِ. هو لم ينكر المباح والله أعلم، وإنما قال: المباح لا يخلو عن هذه الأوصاف الأربعة: كل مسلم اشتغل بمباح فإما أن يكون وسيلة إلى طاعة، وإما أن يكون كفًا عن معصية.
فإذا كان كذلك، قال: هو مأمور به، وليس المراد أنه أنكر المباح .. لا وجود له البتة لا، يعلم أنه موجود.
قال هنا: {وَأَنَّهُ لاَ وُجُودَ لَهُ أَصْلًا، وَهُوَ خِلافُ الإِجْمَاعِ} .
والخلاف في كون المباح مأمورًا به أم لا لفظي، نص عليه التاج السبكي في جمع الجوامع، قال ابن العراقي في شرحه: لما نفى المصنف أنه مأمور به قيَّد ذلك بقوله: من حيث هو.
إذًا: المباح ليس مأمورًا به من حيث هو، يعني بالنظر إليه لذاته لا لكونه وسيلة إلى آخر، وإلا لأخذ حكم ما كان وسيلة إليه، إذًا: الخلاف بين الكعبي وبين الجماهير هو خلاف لفظي.