ونقول: جاء الشرع مقررًا لذلك، لم يأتِ رافعًا، بخلاف إباحة الربا مثلًا أولًا، جاء الشرع برفعه، لكن الإباحة العقلية قد يكون الشيء كما هو، وتأتي الإباحة الشرعية مقررة لما كان أولًا، هذا قصده بمعنى التقرير.
(أَوْ الْإِذْنِ) يعني: يكون ممنوعًا ثم يأذن به من جهة الشرع.
قَالَهُ ابْنُ مُفْلِحٍ.
وَقَالَ الْمُوَفَّقُ فِي الرَّوْضَةِ -لَمَّا قَسَّمَ الأَفْعَالَ-: وَقِسْمٌ لَمْ يَتَعَرَّضْ الشرع {لَهُ بِدَلِيلٍ مِنْ أَدِلَّةِ السَّمْعِ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: قَدْ دَلَّ السَّمْعُ عَلَى أَنَّ مَا لَمْ يَرِدْ فِيهِ طَلَبُ فِعْلٍ وَلا تَرْكٍ فَالْمُكَلَّفُ بِهِ مُخَيَّرٌ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: لاَ حُكْمَ لَهُ} .
ثم قال رحمه الله تعالى: (وَالْجَائِزُ لُغَةً: الْعَابِرُ) .
هذا اصطلاح للأصوليين يجوز، لا يجوز. يُعبّر به في الشرع، وكذلك في العقل: يجوز عقلًا ولا يجوز عقلًا، يجوز شرعًا ولا يجوز شرعًا، فحينئذٍ يحتاج المصنف إلى أن يبين ما مرادهم بالجائز، وليس هو حكمًا شرعيًا من حيث هو، وإنما قد يراد به معنى الإباحة، لكن من حيث هو ليس بحكم شرعي، ولذلك ليس داخلًا في الأحكام الشرعية.
(وَالْجَائِزُ لُغَةً: الْعَابِرُ) اسم فاعل من جاز.
{قَالَ فِي الْبَدْرِ الْمُنِيرِ: جَازَ الْمَكَانَ يَجُوزُهُ جَوْزًا وَجَوَازًا. سَارَ فِيهِ، وَأَجَازَهُ بِالأَلِفِ: قَطَعَهُ، وَأَجَازَهُ أَنْفَذَهُ، وَجَازَ الْعَقْدُ وَغَيْرُهُ: نَفَذَ وَمَضَى عَلَى الصِّحَّةِ، وَأَجَزْتُ الْعَقْدَ: أَمْضَيْتُهُ وَجَعَلْته جَائِزًا نَافِذًا} .
إذًا: الجائز لغة: العابر والنافذ.
(وَاصْطِلَاحًا) يعني: فِي اصْطِلاحِ الْفُقَهَاءِ: (يُطْلَقُ عَلَى مَا لا يَمْتَنِعُ شَرْعًا) يعني: لا يمنع الشرع من وقوعه، فحينئذٍ يعم غير الحرام، فالواجب لا يمنع الشرع منه، حينئذٍ يكون جائزًا، والمندوب لا يمنع الشرع منه، حينئذٍ يكون جائزًا، والمكروه لا يمنع منه الشرع، فحينئذٍ يكون جائزًا.
إذًا: الجائز يعم الثلاثة، ويستثنى الحرام، ولذلك قال: (فَيَعُمُّ غَيْرَ الْحَرَامِ) لأن الحرام يمنع منه الشرع.
(وَعَقْلًا) هذا في الشرع، (وَعَقْلًا) يعني: يطلق الجائز في عرف أهل المنطق أو أهل الكلام على ما لا يمتنع عقلًا، فيقول هذا جائز عقلًا، لا يمنع العقل من كذا.
(فَيَعُمُّ كُلَّ مُمْكِنٍ) يعني: ممكن الوجود وهو الحادث المقلوب.
(وَهُوَ مَا جَازَ وُقُوعُهُ حِسًّا) {أَيْ: مَا جَازَ أَنْ يَقَعَ وُقُوعًا يُدْرَكُ بِإِحْدَى الْحَوَاسِّ} ، (أَوْ وَهْمًا) {يَعْنِي أَوْ مَا جَازَ أَنْ يَقَعَ فِي الْوَهْمِ} ، (أَوْ شَرْعًا) {يَعْنِي: أَوْ مَا جَازَ أَنْ يَقَعَ فِي الشَّرْعِ} .
حينئذٍ يُطلق الجائز عقلًا فيعم هذه الأحوال الثلاثة: الحس، والوهم، والشرع.
فيعم الشرع؛ لأنه لا تعارض بين العقل والشرع، فكل ما جاز شرعًا جاز عقلًا، فيكون الجواز العقلي أعم من الجواز الشرعي.
قال: (فَيَعُمُّ كُلَّ مُمْكِنٍ. وَهُوَ) أي: والممكن (مَا جَازَ وُقُوعُهُ حِسًّا أَوْ وَهْمًا أَوْ شَرْعًا) .