يعني: يشترط على العكس، كأنه يقول: في بعض المسائل قد يتفق خطاب التكليف وخطاب الوضع في اشتراط العلم والقدرة، لكن الأصل عدم الاشتراط، هذه القاعدة مطردة، لكن استثني منها قاعدتان، يدخل تحتهما ما لا حصر له من المسائل.
إذًا: يستثنى من عدم اشتراط العلم والقدرة بخطاب الوضع قاعدتان:
إحداهما: أسباب العقوبات، وأشار إليها بقوله: (إِلاَّ سَبَبَ عُقُوبَةٍ) .
يعني بالنصب {إلاَّ سَبَبَ عُقُوبَةٍ كَالْقِصَاصِ. فَإِنَّهُ لا يَجِبُ عَلَى مُخْطِئٍ فِي الْقَتْلِ، لِعَدَمِ الْعِلْمِ، وَحَدِّ الزِّنَا، فَإِنَّهُ لا يَجِبُ عَلَى مِنْ وَطِئَ أَجْنَبِيَّةً يَظُنُّهَا زَوْجَتَهُ، لِعَدَمِ الْعِلْمِ أَيْضًا} يعني: لا يترتب عليه الحكم، لماذا؟ مراعاة للجهل وعدم الحكم.
وهنا قال: القصاص، الأصل في القتل في الجملة أنه يترتب عليه القصاص، هذا الأصل فيه، لكن هنا قال: {لاَ يَجِبُ عَلَى مُخْطِئٍ فِي الْقَتْلِ؛ لِعَدَمِ الْعِلْمِ وَحَدِّ الزِّنَا، فَإِنَّهُ لا يَجِبُ عَلَى مِنْ وَطِئَ أَجْنَبِيَّةً يَظُنُّهَا زَوْجَتَهُ} فالأصل فيه أنه قد زنا، والأصل أنه وُجد السبب فيترتب عليه الحد، ومثله الرجم.
فحينئذٍ نقول: تخلف الحكم هنا وهو رجم الزاني؛ بناء على ظنه، لا يوصف بكونه زانيًا لكونه لم يقصد ذلك، حينئذٍ نقول: لانتفاء العلم لا يترتب عليه الحكم الشرعي مع وجود السبب.
{لِعَدَمِ الْعِلْمِ أَيْضًا، وَلا عَلَى مَنْ أُكْرِهَتْ عَلَى الزِّنَا، لِعَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى الامْتِنَاعِ} مع أن الزنا قد حصل، هذا إن نُسب إليها الفعل.
هنا جاء التعليل: إِذْ الْعُقُوبَاتُ تَسْتَدْعِي وُجُودَ الْجِنَايَاتِ الَّتِي تُنْتَهَكُ بِهَا حُرْمَةُ الشَّرْعِ، زَجْرًا عَنْهَا وَرَدْعًا، وَالانْتِهَاكُ إِنَّمَا يَتَحَقَّقُ مَعَ الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالاخْتِيَارِ.
وَالْمُخْتَارُ لِلْفِعْلِ: هُوَ الَّذِي إنْ شَاءَ فَعَلَ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ. وَالْجَاهِلُ الذي انتفى عنه العلم {وَالْمُكْرَهُ} الذي انتفى عنه القدرة.
{قَدْ انْتَفَى ذَلِكَ فِيهِمَا، وَهُوَ شَرْطُ تَحَقُّقِ الانْتِهَاكِ لانْتِفَاءِ شَرْطِهِ، فَتَنْتَفِي الْعُقُوبَةُ لانْتِفَاءِ سَبَبِهَا} .
إذًا: هذا الموضع الأول وهو أسباب العقوبات، يُشترط فيها العلم، كل عقوبة رُتِّبت على سببٍ يُشترط فيها العلم والقدرة كذلك.
(أَوْ نَقْلُ مِلْكٍ) يعني: القاعدة الثانية: الأسباب الناقلة للملك {كَالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَالْوَصِيَّةِ وَنَحْوِهَا} ، هذه يشترط فيها العلم، وإلا إذا كان لا يعلم بأن هذه الصيغة ناقلة للملك أو أنها صيغة بيع وشراء، أو يترتب عليها الهبة وهو لا يعلم، حينئذٍ لا يترتب عليه الحكم، لماذا؟ لعدم العلم.
{أَوْ إِلاَّ نَقْلُ مِلْكٍ كَالْبَيْعِ} وهو من فعل المكلَّف.
وَالْهِبَةِ وَالْوَصِيَّةِ وَنَحْوِهَا، فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ فِيهَا الْعِلْمُ وَالْقُدْرَةُ.