فهرس الكتاب

الصفحة 492 من 1890

ولكن المشقة هي حكمة، ومعلوم أن من الفوارق بين العلة والحكمة: أن العلة سابقة وأن الحكمة تابعة، يعني: السفر يسبق القصر، يوجد السفر أولًا ثم يقصر، والحكمة حينئذٍ تكون تابعة، بمعنى أنه يسافر ثم الأصل أنه يتم أربعًا فتوجد المشقة، فحينئذٍ يقصر الرباعية ركعتين فيحصل تخفيف المشقة.

قال: {لِتَخْفِيفِ الصَّلاةِ عَنْهُ بِالْقَصْرِ، وَتَخْفِيفِ مَشَقَّةِ الصَّوْمِ بِإِبَاحَةِ الْفِطْرِ} .

والصحيح أن نقول: العلة هي السفر، والحكمة رفع المشقة؛ لأنها هي التي من أجلها صار السفر علة للرخصة.

قال: (وَكَدَيْنٍ وَأُبُوَّةٍ لِمَنْعِ زَكَاةٍ وَقِصَاصٍ) .

(وَكَدَيْنٍ) يعني: وجود دين، (وَأُبُوَّةٍ) لمنعِ ماذا؟ (لِمَنْعِ زَكَاةٍ) .يعني: وجوب الزكاة.

وَلمنعِ قِصَاصٍ

قال: {وَبَيَانُ الْمُنَاسَبَةِ: أَنَّ افتقار مَالِكِ النِّصَابِ بِالدَّيْنِ الَّذِي عَلَيْهِ مَعْنًى مُنَاسِبٌ لإِسْقَاطِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ عَنْهُ} على قولٍ .. المسألة فيها خلاف: هل الدين مانعٌ أم لا؟ المراد هنا المثال.

وَالشَّأنُ لاَ يُعْتَرَضُ المِثَالُ ... إِذْ قَدْ كَفَى الفَرْضُ وَالاِحْتِمَالُ

ما دام أنه يكفي الفرض والاحتمال، ولذلك يقال: ليس من شأن الفحول المناقشة في المُثول هنا.

قال: {مَعْنًى مُنَاسِبٌ لإِسْقَاطِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ عَنْهُ، وَكَوْنَ الأَبِ سَبَبًا لِوُجُودِ الابْنِ مَعْنًى مُنَاسِبٌ لِسُقُوطِ الْقِصَاصِ عَنْهُ؛ لأَنَّهُ لَمَّا كَانَ سَبَبًا لإِيجَادِهِ لَمْ تَقْتَضِ الْحِكْمَةُ أَنْ يَكُونَ الْوَلَدُ سَبَبًا لإِعْدَامِ أَبِيهِ وَهَلاَكِهِ لِمَحْضِ حَقِّ الاِبْنِ} .

قالوا: الابن إذا قتله أبوه، حينئذٍ يُقص .. هذا الأصل، لكن إذا فُعل ذلك كان الابن سببًا في هلاك أبيه الذي هو سبب في وجود الابن، حينئذٍ ليس من الكرم أن يترتب عليه الحكم فيكون الابن هالكًا لأبيه.

{وَاحْتَرَزَ بِهَذَا الْقَيْدِ عَنْ أَنَّهُ لاَ يَمْتَنِعُ رَجْمُهُ إذَا زَنَى بِابْنَتِهِ} فهي إذًا سبب إعدامه، لكن هذا من جهة أخرى وهو حكم تكليفي مع كونه سبب إيجادها

{لِكَوْنِ ذَلِكَ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى دُونَهَا} .

إذًا: هذا ما يتعلق بالمعنى الثالث وهو: إطلاق العلة على الحكمة، ومثَّل بالمثالين، وقد اعترض على إطلاق العلة على حكمة الحكم؛ إذ ثم فرقٌ بينهما حيث إن علته موجبة وحكمته غير موجبة، فالحكمة لا تصلح أن تكون معرِّفًا للحكم في كل حال؛ لعدم ظهورها وانضباطها، ولذلك فقد توجد ولا يوجد الحكم كالمشقة في الحضر، إذا وُجدت فلا فطر ولا قصر معها.

وقد يوجد الحكم عند عدمها كما في السفر إذا عُدمت المشقة فيه فإنه يباح للمسافر القصر والفطر، ولذلك لا تصلح أن تكون مناطًا للحكم.

فتكون حينئذٍ العلة بالمعنى الثاني أولى، وهو المقتضِي، لا الأول ولا الثالث.

أما الأول؛ فلأنه اصطلاح المتكلمين وعليه اعتراض موجود في المطولات.

وأما الثالث فهو فاسد لعدم الانضباط.

حينئذٍ العلة بالمعنى الثاني أولى، فهي الوصف الذي جعله الشارع مناطًا لثبوت الحكم؛ حيث ربط الشارع به الحكم وجودًا وعدمًا، وأما الحكمة فهي المصلحة المترتبة على الحكم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت