فهرس الكتاب

الصفحة 491 من 1890

إذًا: الوصف قد يكون مناسبًا، بمعنى أن العقل يُدرك العلاقة والارتباط بين الحكم والمحل، وقد لا يُدرك فيسمى غير مناسب.

قال هنا الحكمة: (وَهِيَ الْمَعْنَى الْمُنَاسِبُ الَّذِي يَنْشَأُ عَنْهُ الْحُكْمُ) .

يرد السؤال هنا: هل كل حكم شرعي عُلِم المعنى المناسب منه .. الذي رُتب عليه؟ الجواب: لا، لماذا؟ لأنه ليس كل حكم شرعي عُلِّل، أو عُلم منه الحكمة؛ لأنها قد تكون خفية .. قد تكون مجهولة .. قد تكون ظاهرة .. ولذلك اختلفوا: هل يصح التعليل بالحكمة أم لا؟ على ثلاثة أقوال:

قال: (وَهِيَ الْمَعْنَى الْمُنَاسِبُ الَّذِي يَنْشَأُ عَنْهُ الْحُكْمُ، كَمَشَقَّةِ سَفَرٍ لِقَصْرٍ وَفِطْرٍ) .

المسافر -قاعدة-: أنه يترخص، بالنسبة للكلام هنا نقول: لعلة المشقة، وإلا الأصح: المشقة ليست علة، لماذا؟ لأنهم جعلوا مناط العلة هو الحكمة، ومعلوم أن الحكمة على نوعين: حكمة ظاهرة منضبطة، وحكمة خفية مضطربة.

الأولى: على الصحيح أنه يصح أن يُعلل بها الحكم، وأما الثانية فلا يصح أن يُعلل بها الحكم.

هذا التفصيل في باب الحكمة: هل يصح التعليل بها أم لا؟

قيل: المنع مطلقًا، وقيل: الجواز مطلقًا.

وبينهما القول المتوسط وهو التفصيل: إن كانت الحكمة ظاهرة يعني: واضحة بينة، ثم هي منضبطة لا تختلف، فحينئذٍ نقول: صح التعلل بها، وهذا مثالها نادر.

ثانيًا: إن كانت الحكمة غير ظاهرة .. خفية، أو كانت ظاهرة لكنها غير منضبطة، حينئذٍ لا يصح التعلُّل بها.

ولذلك السفر لو قلنا العلة المشقة، هل يصح أن يكون الحكم مناطًا بالمشقة؟ الجواب: لا، حتى في السفر، لماذا؟

لأنه قد يسافر ولا مشقة، لو قلنا: علة القصر هو المشقة، حينئذٍ ما الذي يترتب عليه؟ أنه لا يقصر إلا إذا وجد مشقة، كذلك العكس: قد توجد المشقة في الحضر ولا تستلزم الحكم وهو القصر.

إذًا: يوجد القصر والفطر في السفر ولو لم توجد العلة التي هي المشقة على تسميتهم.

ثم قد توجد العلة في الحضر -المشقة- وقد تكون أعلى درجات المشقة، ومع ذلك لا يحل له أن يقصر ولا يفطر.

إذًا: وجد الحكم دون العلة ووجدت العلة دون الحكم، ولذلك الأصح أنها لا تكون علة، خلافًا لما ذكره من هذا الاستعمال، لكن هو يبين إطلاقات الفقهاء، بمعنى أنه إذا مر بك لفظ العلة عند الفقهاء وفي اصطلاح الأصوليين توقَّف، ماذا يريد بمعنى العلة؟

لأنك إذا أخذت العلة هكذا، حينئذٍ صار الحكم عندك فيه علة؛ لأنه سينبني على خطأ في المفهوم، ولذلك اختلفوا في التفسير.

قال هنا: (كَمَشَقَّةِ سَفَرٍ لِقَصْرٍ وَفِطْرٍ) فالمسافر يترخص على كلامهم لعلة المشقة.

قال: {وَبَيَانُ الْمُنَاسَبَةِ: أَنَّ حُصُولَ الْمَشَقَّةِ عَلَى الْمُسَافِرِ مَعْنًى مُنَاسِبٌ لِتَخْفِيفِ الصَّلاةِ عَنْهُ بِالْقَصْرِ، وَتَخْفِيفِ مَشَقَّةِ الصَّوْمِ بِإِبَاحَةِ الْفِطْرِ} .

نعم هو مناسب، لكن الكلام والبحث في: هل يصح تعليق الحكم به وجودًا وعدمًا؟ هذا شيء آخر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت