{مِثْلِ: أَنْ يَكُونَ الْقَاتِلُ أَبًا لِلْمَقْتُولِ، فَإِنَّ الإِيلادَ مَانِعٌ مِنْ وُجُوبِ الْقِصَاصِ} القتل هو السبب كاليمين هناك، والذي يترتب على القتل ماذا؟ وجوب القصاص.
حينئذٍ نقول: الأصل أن المقتضي وهو القتل يترتب عليه المقتضَى وهو وجوب القصاص، لكن وجد مانع وهو البنُوَّة.
فالبنوة مانع من الحكم وهو وجوب القصاص، مع وجود العلة.
وَكَذَا النِّصَابُ يُسَمَّى عِلَّةً لِوُجُوبِ الزَّكَاةِ، وَإِنْ تَخَلَّفَ وُجُوبُهَا لِوُجُودِ مَانِعٍ كَالدَّيْنِ.
وَقَوْلُهُ: أَوْ فَوَاتُ شَرْطٍ مِثْلُ الْقَتْلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ؛ فَإِنَّهُ يُسَمَّى عِلَّةً لِوُجُوبِ الْقِصَاصِ، وَإِنْ تَخَلَّفَ وُجُوبُهُ لِفَوَاتِ شَرْطِهِ، وَهُوَ الْمُكَافَأَةُ.
مسلمٌ قتل كافرًا، وحينئذٍ نقول: وُجدت العلة وهو القتل، لكن وجوب القصاص يتخلف، لماذا؟ لفوات شرطٍ وهو المكافأة، لا يُقتل مسلمٌ بكافر، حينئذٍ نقول: ليس بينهما مكافأة فلا يقتل، إذًا: وجد مانع من الحكم وهو وجوب القصاص.
هذا هو المعنى الثاني (لِمُقْتَضِيهِ وَإِنْ تَخَلَّفَ لِمَانِعٍ أَوْ فَوَاتِ شَرْطِ) .
ثم قال رحمه الله تعالى: (وَلِلْحِكْمَةِ) .
أي: {وَالْمَعْنَى الثَّالِثُ مِمَّا اُسْتُعِيرَتْ لَهُ الْعِلَّةُ مِنْ التَّصَرُّفِ الْعَقْلِيِّ إلَى التَّصَرُّفِ الشَّرْعِيِّ} .
(لِلْحِكْمَةِ) يعني: استعيرت للحكمة.
والحكمة لغة: ما تعقلت به عاقبة حميدة وهي بخلاف السفه .. ضده.
والحكمة اصطلاحًا -في الشرع-: ما يترتب على التشريع من جلب مصلحة أو تكميلها، أو دفع مفسدة أو تقليلها.
قال الشاطبي: وأما العلة فالمراد بها الحِكَمُ والمصالح.
حينئذٍ: ما يترتب على الحكم الشرعي من حكمة يسمى علة.
قالوا: كالمشقة بالنسبة للسفر، السفر في الأصل هو علة للقصر والإفطار مثلًا، لماذا؟ دفعًا للمشقة.
المشقة تسمى علة، لماذا؟ لأنها هي الحكمة من التخفيف، الحكم هو تخفيف الصلاة، والصوم بالإفطار، حينئذٍ نقول: العلة للقصر السفر، والحكمة المشقة.
تسمى المشقة في اصطلاح بعض الفقهاء: علة؛ لأنها هي حكمة، هذا المراد بالمعنى الثالث.
قال: (وَلِلْحِكْمَةِ) يعني: المعنى الذي من أجله صار الوصف علة.
{أَيْ حِكْمَةِ الْحُكْمِ}
قال: (وَهِيَ الْمَعْنَى الْمُنَاسِبُ الَّذِي يَنْشَأُ عَنْهُ الْحُكْمُ) مر معنا أن الوصف أو المعنى بمعنى واحد هما، أنه إما أن يكون مناسبًا وإما ألا يكون مناسبًا.
ما كان مناسبًا يعني: ما أُدرك من جهة العقل العلاقة والارتباط بين الحكم والمحكوم.
يعني: تحريم الخمر للإسكار، حينئذٍ العقل يدرك لماذا حُرمت الخمر، ما السبب؟
نقول: لكذا وكذا؛ لأنه يترتب على الإسكار ما يترتب.
كذلك الزنا حرمه الشارع، علته مدركة عقلًا أم لا؟ نعم مدركة: اختلاط الأنساب إلى آخره.
حينئذٍ نقول: الحكمة هنا أو المعنى مدرك، وقد لا يكون مدركًا كإيجاب أربع ركعات الظهر مثلًا، لماذا أربع ركعات؟ هل هو لمعنى؟ نقول: نعم لمعنى. مناسب؟ قطعًا مناسب، لكن بالنسبة إلينا هل علمناه؟ الجواب: لا. لا نعلم.
لماذا الصلوات في أوقاتها دخولًا وخروجًا في هذه الأوقات الموجودة الآن المعلومة من جهة الشرع؟ الله أعلم.