فهرس الكتاب

الصفحة 497 من 1890

نقول: معنى الحد: أن السبب هو كل أمر جعل الشارع وجوده علامة على وجود الحكم، وعدمه علامة على عدم الحكم، فيلزم حينئذٍ من وجود السبب وجود المسبَّب، لكن لذاته، ومن عدم السبب عدم المسبب لكن لذاته.

ثم قال: (فَيُوجَدُ الْحُكْمُ عِنْدَهُ، لاَ بِهِ) .

(فَيُوجَدُ الْحُكْمُ عِنْدَهُ) يعني: عند السبب؛ لكونه علامة على المسبَّب.

(لاَ بِهِ) ، ماذا أراد (لاَ بِهِ) ؟ يعني: لا تأثير لذات السبب بأن يؤثر في الحكم؛ لأن الحكم من عند الله عز وجل، وهذه الأسباب التي نصبها الله عز وجل علامات ومُعرِّفات على أحكامه الشرعية التكليفية، لا تأثير لها لذاتها، وإنما يُعرف الحكم عنده لا به.

هذا تفسير للسبب بالمعنى الأخص الذي أطلقه الفقهاء أو الأصوليون في مقابلة العلة، حينئذٍ نقول: يوجد الحكم عندهم يعني: عند السبب لا به، وهذا قول جمهور الأصوليين.

فالسبب غير مؤثر بنفسه بل معرِّف للشيء وعلامة عليه، وقالت المعتزلة: إن السبب مؤثر في الأحكام بذاته.

إذًا: نصوا على هذه المسألة لماذا؟ كما نصوا على الحُسن والقُبح العقليين .. على المعاني السابقة. يعني: ردًا على المعتزلة.

إن السبب مؤثر في الأحكام بذاته بواسطة قوة أودعها الله فيه، فالزوال له تأثير في إيجاب الصلاة، والنصاب له تأثير في وجوب الزكاة .. وهكذا.

فكل سبب جعله الله عز وجل علامة على غيره قالوا: له قوة في ذاته، وهذه القوة من عند الله تعالى،"لا بذاته"يعني دون أن يكون لله عز وجل حكم لا، وإنما أرادوا أن الله عز وجل جعل فيه قوة ذاتية، يعني له تأثير بخلاف قول الجمهور.

وقيل: تؤثر في الأحكام لا بذاتها، بل بِجعل الله تعالى، واختاره الغزالي وهو كذلك، وقال الآمدي: السبب باعث على الحكم. كيف يعني السبب باعث على الحكم؟

ليس المراد أنه يبعث الله تعالى على أن يُشرِّع، لا، ليس هذا المراد، وإنما مراده أن السبب يعني: هذا الوصف مشتمل على حكمة صالحة لأن تكون هي مناط الحكم الشرعي.

وهذا إنما يناسب السبب بالمعنى الأعم، وهو: أن يدخل تحته النوعان، وصف مناسب ووصف غير مناسب.

السبب باعث على الحكم، هذا الوصف المناسب يعني: مشتملة على حكمة صالحة، لأن تكون مقصود الشارع من شرع الحكم، فالباعث أي: المشتمل على الحكمة لا الباعث للشارع على شرع الحكم.

قال: (يُوجَدُ الْحُكْمُ عِنْدَهُ، لاَ بِهِ) {وَهُوَ الَّذِي يُضَافُ إلَيْهِ الْحُكْمُ، نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: (( أَقِمْ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ ) ). وَقولهِ: (( الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ) )} .

الجلد أضيف إلى الزنا، صار سببًا.

{إِذْ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي دُلُوكِ الشَّمْسِ حُكْمَانِ} .

حكم تكليفي وحكم وضعي.

{كَوْنُ الدُّلُوكِ سَبَبًا} هذا حكم وضعي.

{وَالآخَرُ: وُجُوبُ الصَّلاةِ عِنْدَهُ} هذا حكم شرعي.

وَكَذَلِكَ لِلَّهِ تَعَالَى فِي الزَّانِي حُكْمَانِ.

أَحَدُهُمَا: وُجُوبُ الجلد {أَو الرَّجْمِ} وهذا حكم شرعي تكليفي.

{وَالثَّانِي: كَوْنُ الزِّنَى الَّذِي نِيطَ بِهِ سَبَبًا} وهذا حكم وضعي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت