فهرس الكتاب

الصفحة 498 من 1890

الزنا حكم وضعي، ليس مطلوبًا، وإنما هو خبر أنيط به حكم شرعي وهو وجوب الجلد أو الرجم. إذًا: فرقٌ بينهما، فالمطلوب هو الحكم التكليفي .. الذي يفعله الإنسان، وأما السرقة ليست مطلوبة من الإنسان، والزنا ليس مطلوبًا من الإنسان، والقتل ليس مطلوبًا من الإنسان .. إذًا: كل حكم رتب عليه الشرع حينئذٍ يكون حكمًا تكليفيًا.

قال: {وَلا شَكَّ أَنَّ الأَسْبَابَ مُعَرِّفَاتٌ} وعلى هذا فليس المراد من السبب كونه موجبًا لذلك لذاته أو لصفة ذاتية -كما قالت المعتزلة-، بل المراد منه إما المعرِّف للحكم وعليه الأكثر من الأصوليين، أو الموجب لا لذاته، يعني: لك أن تعبّر بهذا؛ لأنه معرِّف، أو أنه موجب، لكن لما كان الموجب فيه إيهام أن يكون لذاته لا بد من التعبير أن يقال: الموجب لا لذاته ولا لصفة ذاتية، ولكن بجعل الشارع إياه موجبًا وهو اختيار الغزالي.

قالوا: وهذا -بهذا المعنى- لا يصدق على العلة؛ لأن العلة لا بد فيها من المناسبة بخلاف السبب.

قال الزركشي: ومراد الغزالي: أن الموجب للحكم بالحقيقة هو الشارع. وهو كذلك، وإنما نصب السبب للحكم لعسر الوقوف على خطاب الله تعالى لا سيما بعد انقطاع الوحي كالعلاَمة، فشابه ما يحصل الحكم عنده لا به ويسمَّى باسمه.

قال هنا: {وَلاَ شَكَّ أَنَّ الأَسْبَابَ مُعَرِّفَاتٌ؛ إِذْ الْمُمْكِنَاتُ مُسْتَنِدَةٌ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى ابْتِدَاءً عِنْدَ أَهْلِ الْحَقِّ، وَبَيْنَ الْمُعَرِّفِ الَّذِي هُوَ السَّبَبُ، وَبَيْنَ الْحُكْمِ الَّذِي نِيطَ بِهِ: ارْتِبَاطٌ ظَاهِرٌ. فَالإِضَافَةُ إلَيْهِ وَاضِحَةٌ} .

يعني: أَسند الله تعالى وأضاف الحكم الشرعي إلى هذا السبب، ثم هل تدرك بينهما علة أو تأثيرًا؟ الجواب: قد يكون وقد لا يكون، على الصحيح في العلاقة بين السبب والعلة.

وأما عند جمهور الأصوليين: فلا، السبب يختص بما لا يؤثر، والعلة تختص بما يؤثر.

(وَيُرَادُ بِهِ مَا يُقَابِلُ الْمُبَاشَرَةَ) جاء في الاستعمالات والإطلاقات، عرفنا السبب: (مَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ الْوُجُودُ وَمِنْ عَدَمِهِ الْعَدَمُ لِذَاتِهِ) .

إطلاقات لفظ السبب، قد يُطلق السبب ولا يراد به ما سبق، وإنما يراد به شيء آخر، ما هي هذه الإطلاقات واستعمالات الفقهاء والأصوليين؟

أربعة قال: (وَيُرَادُ بِهِ) يعني: في عرف الفقهاء: (مَا يُقَابِلُ الْمُبَاشَرَةَ. كَحَفْرِ بِئْرٍ مَعَ تَرْدِيَةٍ. فَأَوَّلٌ سَبَبٌ) يعني: صاحب السبب.

(وَثَانٍ عِلَّةٌ) .

(كَحَفْرِ بِئْرٍ مَعَ تَرْدِيَةٍ) .

زيدٌ من الناس حفر بئرًا، فجاء خالد فدفع عمرو فسقط في البئر فمات، عندنا متسبِّب .. سبب وهو زيد، حفر فقط ومشى، وجاء عمروٌ فدفع خالدًا فأوقعه في البئر فمات خالد -رحمه الله-، حينئذٍ قالوا: اجتمع عندنا أمران: متسبب ومباشر.

المتسبب: الذي حفر، والمباشر: هو الذي دفع.

قالوا: يطلق السبب ما يقابل المباشرة، الذي باشر أولًا .. ابتدأ بالحفر؛ لأنه يسمى مباشرًا في اللغة، والذي باشر بالدفع، تقابلا.

حينئذٍ عندنا: مباشرة وعندنا سبب، فيطلق السبب على ما يقابل المباشرة، حينئذٍ الضمان يكون على من؟ يكون على المباشر لا على المتسبِّب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت