فهرس الكتاب

الصفحة 499 من 1890

قال: (كَحَفْرِ بِئْرٍ مَعَ تَرْدِيَةٍ. فَأَوَّلٌ سَبَبٌ) الذي حفر ولم يقذف، (وَثَانٍ عِلَّةٌ) يعني: صاحب علة، الذي دفع.

فَإِذَا حَفَرَ إنْسَانٌ بِئْرًا، وَدَفَعَ آخَرُ إنْسَانًا فَتَرَدَّى فِيهَا فَهَلَكَ.

فَالأَوَّلُ -وَهُوَ الْحَافِرُ- مُتَسَبِّبٌ إِلَى هَلاكِهِ لكنه ليس مباشرًا.

{وَالثَّانِي -وَهُوَ الدَّافِعُ- مُبَاشِرٌ. فَأَطْلَقَ الْفُقَهَاءُ السَّبَبَ عَلَى مَا يُقَابِلُ الْمُبَاشَرَةَ} سُمي سببًا.

{فَقَالُوا: إذَا اجْتَمَعَ الْمُتَسَبِّبُ وَالْمُبَاشِرُ: غُلِّبَتْ الْمُبَاشَرَةُ} مع أنه في الحقيقة أن كلًا منهما سبب، بل الدافع هذا أولى بالسببية من السابق؛ لأنه هو الذي كان مباشرًا للقتل.

حينئذٍ جاء اصطلاح الفقهاء مخالفًا لما ذكرناه.

قال هنا: {إِذَا اجْتَمَعَ الْمُتَسَبِّبُ وَالْمُبَاشِرُ: غُلِّبَتْ الْمُبَاشَرَةُ وَوَجَبَ الضَّمَانُ عَلَى الْمُبَاشِرِ، وَانْقَطَعَ حُكْمُ التَّسَبُّبِ} يعني لا أثر له، لا يطالب بشيء.

{وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ أَيْضًا: لَوْ أَلْقَاهُ مِنْ شَاهِقٍ فَتَلَقَّاهُ آخَرُ بِسَيْفٍ فَقَدَّهُ. فَالضَّمَانُ عَلَى الْمُتَلَقِّي بِالسَّيْفِ} لأنه هو المباشر. يعني: دفعه من فوق، وهذا استقبله بالسيف، فحينئذٍ من المتسبب؟ الذي ألقاه من شاهقٍ.

طيب من المباشر؟ الذي تلقاه بالسيف، الضمان على من؟ على المتلقي، مع أنه في الحقيقة كل منهما متسبب، فقد يكون الذي دفعه ألصق بالسببية.

{فَالضَّمَانُ عَلَى الْمُتَلَقِّي بِالسَّيْفِ} لأنه مباشر، هذا الضمان على من أمكن أن يُعلَّق به الحكم الشرعي وهو الضمان، الضمان حكم وضعي.

{وَلَوْ أَلْقَاهُ فِي مَاءٍ مُغْرِقٍ فَتَلَقَّاهُ حُوتٌ فَابْتَلَعَهُ} فالحوت مباشر، والذي دفع هذا السبب .. هو المتسبب، الضمان على من؟ على المتسبِّب، ورجعنا له، لماذا؟ لأنه لا يمكن تضمين الحوت.

{فَالضَّمَانُ عَلَى الْمُلْقِي، لِعَدَمِ قَبُولِ الْحُوتِ الضَّمَانَ} إلى آخره.

هذا الإطلاق الأول: (مَا يُقَابِلُ الْمُبَاشَرَةَ) .

النوع الثاني من استعمالات الفقهاء للسبب: (عِلَّةُ الْعِلَّةِ) يعني: سبب السبب، كما عبّر بعضهم.

(وَعِلَّةُ الْعِلَّةِ كَرَمْيٍ هُوَ سَبَبٌ لِقَتْلٍ، وَعِلَّةٌ لِلْإِصَابَةِ الَّتِي هِيَ عِلَّةٌ لِلزُّهُوقِ) يعني: زهوق النفس.

(عِلَّةُ الْعِلَّةِ كَرَمْيٍ هُوَ سَبَبٌ لِقَتْلٍ) من جهة كونه سببًا للعلة. يعني: رماه بسهم، حينئذٍ هذا رامي، وهو رمي، أصابه فجُرح، فاتسع الجرح فمات، القتل بسبب الجرح وهو العلة، ولكن علة العلة ما هو؟ الرمي.

إذًا: رماه فأصابه، التي هي الإصابة، الإصابة اتسعت فمات، حينئذٍ عندنا أمران: عندنا إصابة، وعندنا رمي.

الإصابة: علة، وعلة العلة: الرمي، هذا يسمى سببًا عند الفقهاء، فانتبه إذا مر بك لفظ السبب ماذا يُعنَى به؟

قال: (وَعِلَّةُ الْعِلَّةِ) يعني: سبب السبب.

(كَرَمْيٍ هُوَ سَبَبٌ لِقَتْلٍ، وَعِلَّةٌ لِلْإِصَابَةِ الَّتِي هِيَ عِلَّةٌ لِلزُّهُوقِ) .

{أَيْ: زُهُوقِ النَّفْسِ الَّذِي هُوَ الْقَتْلُ. فَالرَّمْيُ هُوَ عِلَّةُ عِلَّةِ الْقَتْلِ. وَقَدْ سَمَّوْهُ سَبَبًا} من باب الاصطلاح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت