يعني: لما حصل الموت بالإصابة المتوسطة بين الرمي والزهوق لا بالرمي، كان الرمي سببًا أو شبيهًا بالسبب في وضع اللغة، وهو ما كان وسيلة ومفضيًا إلى الشيء، فسموه سببًا لذلك، وحكم هذا السبب حكم العلة من كل وجه، فيضاف أثر الفعل إليه؛ لأنه لما أضيفت العلة إليه كان بمنزلتها، ولهذا سمي علة العلة. يعني: علة العلة كالعلة.
قال: (وَالْعِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ بِدُونِ شَرْطِهَا كَنِصَابٍ بِدُونِ الْحَوْلِ) يسمى سببًا.
هنا رجعنا إلى ما ذكرناه سابقًا: أن السبب قد يراد به العلة الشرعية، والمراد بالعلة الشرعية: هي الوصف المؤثر، هذا الأصل فيه، إلا إذا توسعنا في إطلاقات العلة على ما سبق بيانه.
قال هنا: {وَالثَّالِثُ مِمَّا يُرَادُ بِلَفْظِ السَّبَبِ الْعِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ بِدُونِ شَرْطِهَا} مثل ماذا؟
قال: (كَنِصَابٍ) يعني: {كَمِلْكِ نِصَابٍ بِدُونِ حَوَلاَنِ الْحَوْلِ} .
فملك النصاب يسمى ماذا؟ يسمى سببًا لوجوب الزكاة، كما تقدم في تسميته علة، واستعيرت العلة وسميت سببًا، كذلك اليمين دون الحِنث؛ فإنها سبب في وجوب الكفارة، لكنه لا بد من الحِنث في وجوب الكفارة، فيُطلق السبب على اليمين.
مر معنا أن اليمين تسمى ماذا؟ تسمى علة، وكذلك تسمى سببًا، ولو لم يوجد شرطها وهو الحِنث في وجوب الكفارة؟ ولو لم يوجد، حينئذٍ يسمى علة.
إذًا: الإطلاق الثالث السبب يراد به: (الْعِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ بِدُونِ شَرْطِهَا كَنِصَابٍ بِدُونِ الْحَوْلِ) ، فيسمى النصاب سببًا.
(وَكَامِلَةً) هذا المعنى الرابع في استعمال السبب يعني: يراد بلفظ السبب العلة الشرعية كاملة، وهي مجموع الأربعة السابقة: مقتضي، وشرطه، ومحله، وأهله.
إذًا: عندنا إطلاقان يطلق عليهما: علة وسبب.
المجموع المركب: علة وسبب، كذلك قال هنا: (الْعِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ بِدُونِ شَرْطِهَا) يسمى علة ويسمى سببًا، هذا مجرد اصطلاح.
(وَكَامِلَةً) يعني: الْعِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ كَامِلَةً وَهِيَ الْمَجْمُوعُ الْمُرَكَّبُ مِنْ مُقْتَضَى الْحُكْمِ وَشَرْطِهِ، وَانْتِفَاءِ الْمَانِعِ وَوُجُودِ الأَهْلِ وَالْمَحَلِّ.
سُمِّيَ ذَلِكَ سَبَبًا اسْتِعَارَةً؛ لأَنَّ الْحُكْمَ لَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْ ذَلِكَ فِي حَالٍ مِنْ الأَحْوَالِ. كَالْكَسْرِ لِلاِنْكِسَارِ.
وَأَيْضًا فَإِنَّمَا سُمِّيَتْ الْعِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ الْكَامِلَةُ سَبَبًا؛ لأَنَّ عَلِيَّتَهَا لَيْسَتْ لِذَاتِهَا، بَلْ بِنَصَبِ الشَّارِعِ لَهَا أَمَارَةً عَلَى الْحُكْمِ، بِدَلِيلِ وُجُودِهَا دُونَهُ، كَالإِسْكَارِ قَبْلَ التَّحْرِيمِ وُجد الإسكار قبل التحريم.
{وَلَوْ كَانَ الإِسْكَارُ عِلَّةً لِلتَّحْرِيمِ لِذَاتِهِ} لوجد الحكم، لكن لم يوجد الحكم، فدل على أنها مجرد علامة لا تأثير لها لذاتها.
قال: كَالْكَسْرِ لِلاِنْكِسَارِ فِي الْعَقْلِيَّةِ.
وَالْحَالُ: أَنَّ التَّحْرِيمَ وَوُجُوبَ الْحَدِّ مَوْجُودَانِ بِدُونِ مَا لا يُسْكِرُ. فَأَشْبَهَتْ بِذَلِكَ السَّبَبَ، وَهُوَ مَا يَحْصُلُ الْحُكْمُ عِنْدَهُ لاَ بِهِ. فَهُوَ مُعَرِّفٌ لِلْحُكْمِ لا مُوجِبٌ لَهُ لِذَاتِهِ، وَإِلاَّ لَوَجَبَ قَبْلَ الشَّرْعِ.