فهرس الكتاب

الصفحة 501 من 1890

يعني: لماذا سميت العلة الشرعية سببًا؟ لما ذكره رحمه الله تعالى.

وإطلاق السبب على العلة الشرعية الكاملة هو أبعد الوجوه عن وضع اللغة، باعتبار أن السبب في الوضع اللغوي: عبارة عما (يَحْصُلُ الْحُكْمُ عِنْدَهُ لاَ بِهِ) .

ثم قال: (وَهُوَ) {أَيْ السَّبَبُ قِسْمَانِ} (وَقْتِيٌّ وَمَعْنَوِيٌّ) .

السبب قسمان: الأول: (وَقْتِيٌّ) . هذا نسبة إلى الوقت.

{وَهُوَ مَا لاَ يَسْتَلْزِمُ فِي تَعْرِيفِهِ لِلْحُكْمِ حِكْمَةً بَاعِثَةً} وإن شئت قل: هو الوصف غير المناسب، يعني: ما لا يُدرك من جهة العقل المناسَبة بين الحكم وما عُلّق عليه.

(كَزَوَالِ لِظُهْرٍ) علَّق الحكم الشرعي -الباري جل وعلا- وجوب الظهر على الزوال، فالزوال سبب، هل ثم علة مدركة أو مناسبة أُدركت بالعقل بين الزوال وبين وجوب صلاة الظهر؟ لم ندرك ذلك، هذا يسمى وقتيًا، عرّفه في الشرح: {مَا لاَ يَسْتَلْزِمُ فِي تَعْرِيفِهِ} يعني: ونصبه {لِلْحُكْمِ حِكْمَةً بَاعِثَةً} .

(كَزَوَالِ) يعني: {زَوَالِ الشَّمْسِ} .

(لِظُهْرٍ) يعني: {لِوُجُوبِ الظُّهْرِ فَإِنَّهُ يُعْرَفُ بِهِ وَقْتُ الْوُجُوبِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْتَلْزِمَ حِكْمَةً بَاعِثَةً عَلَى الْفِعْلِ} .

وهنا ليس المراد أنه لا يوجد له حكمة لا، وإنما المراد: لم نعلم له حكمة، وفرق بين التعبيرين، إذا قلت بأنه لا حكمة له، بمعنى أنك نفيت الحكمة في نفس الأمر، بمعنى أنك لم تدرك وليس له في ذاته حكمة. وهذا ليس كذلك.

بل لا شك أنه له حكمة. تحديد الأوقات ونحوها هذا له حكمة لكن لا نعلمها.

قال: (وَمَعْنَوِيٌّ) يعني: القسم الثاني معنوي، وإن شئت قل: هو الوصف المناسب.

{وَهُوَ مَا} (يَسْتَلْزِمُ حِكْمَةً بَاعِثَةً) {فِي تَعْرِيفِهِ لِلْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ} .

(كَإِسْكَارٍ لِتَحْرِيمِ) ولا شك أن الإسكار هذا وصف مناسبٌ، وهو معنويٌ، وجُعِل علةً لتحريم كل مسكر.

وَكَوُجُودِ الْمِلْكِ. فَإِنَّهُ جُعِلَ سَبَبًا لإِبَاحَةِ الانْتِفَاعِ.

وَكَالضَّمَانِ، فَإِنَّهُ جُعِلَ سَبَبًا لِمُطَالَبَةِ الضَّامِنِ بِالدَّيْنِ، وَكَالْجِنَايَاتِ. فَإِنَّهَا جُعِلَتْ سَبَبًا لِوُجُوبِ الْقِصَاصِ، أَوْ الدِّيَةِ.

وهذا كله شيء مدرك بالعقل، يعني: العقل أدرك المناسبة والارتباط بين الحكم وما عُلِّق عليه، أو بين السبب وبين الحكم، هذا يسمى سببًا معنويًا.

إذًا: الأسباب التي جُعلت الأحكام الشرعية التكليفية مرتبطة بها على نوعين:

منها ما يُدرك العقل وجهَ المناسبة، ومنها ما لا يدرك العقل وجه المناسبة.

الأول يسمى معنويًا، والثاني يسمى وقتيًا.

{قَالَ الآمِدِيُّ: السَّبَبُ عِبَارَةٌ عَنْ وَصْفٍ ظَاهِرٍ مُنْضَبِطٌ} يعني ليس كل ما يُعلَّق عليه الحكم يُجعل سببًا لا، وإنما لا بد أن يكون وصفًا ظاهرًا لا خفيًا، فإن كان خفيًا فلا يصح أن يكون سببًا وهو كذلك."منضبط"يعني: ليس مرتبك .. يمكن ضبطه، وأما المرتبك فهذا لا يصلح أن يكون سببًا، ولذلك كلما وجد الزوال وجدت صلاة الظهر، والزوال لا يختلف بل هو منضبط وهو ظاهر للكل.

كذلك: النصاب، هذا لا يختلف .. محدد من جهة الشرع، وهو كذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت