يعني: كان في القديم أول ما يبدأ طالب العلم يأخذ متنًا فقهيًا ليعرف كيف يتوضأ وكيف يصلي، لكن يأخذ بقول واحد، وعلى القاعدة العامة: أن الأصل فيه أنه يقلد، فإذا كان كذلك فلا إشكال فيه، حتى تقليده لا إشكال فيه وليس فيه محذور، لكن إذا ترقى بعد ذلك فحينئذٍ يجب عليه إذا كان أهلًا أن ينظر في الدليل وما دل عليه.
(وَيُسْتَمَدُّ) هذا النوع الثالث، لا بد أن يعرف حده بوجه ما، وغايته ومادته، يستمد أصول الفقه من ماذا؟ ما هي المادة التي أُخذ منها؟
قال: {يستمد من ثلاثة أشياء} وهذا بالاستقراء والتتبع، يعني: النظر في ما عليه أو تفيده العلوم.
قال: (مِنْ أُصُولِ الدِّينِ) يعني: العلم المسمى بأصول الدين: العقيدة، يسمى بأصول الدين .. الفقه الأكبر، والتوحيد، والعقيدة، وأصول الدين .. هذه كلها مسميات أو أسماء والمسمى واحد، لكن مراده هنا شيء آخر وهو ما يسمى بعلم الكلام، ولذلك ثم مسائل يذكرها الأصوليون في هذا الباب يعني: باب أصول الفقه وليست لها علاقة أصلًا بأصول الفقه وقد يكون لبعضها علاقة ولكنها مأخوذة من علم الكلام، فالنظر فيها يكون من جهة ما وافق السنة وما خالف، فما وافق قبل وما خالق رد على أصحابه.
(مِنْ أُصُولِ الدِّينِ) يعني: من جهة إثبات حجية الأدلة؛ لأن القرآن وإن كان المسلمون قد لا ينازعون، قد يوجد زنديق يحتاج إلى إثبات حجية القرآن وأنه ثابت إلى آخره.
كذلك السنة بنوعيها المتواتر والآحاد، ولذلك وجد عند بعض المسلمين أنه رد الاحتجاج بحديث الآحاد، وهذا يحتاج إلى إثبات، كذلك الإجماع، كذلك القياس، فإثبات حجية هذه الأدلة إنما يبحث في أصول الدين، فنحتاج إلى هذا القدر من علم الكلام لإثبات هذه المسائل، وكلها لا نحتاج إلى إثبات إلا في مسألة القياس والإجماع.
وأما خبر التواتر .. السنة هذا ثابت بالإجماع ومثله الآحاد، والخلاف هذا حادث وإنما منشأه عند أهل البدع.
إذًا النوع الأول: (مِنْ أُصُولِ الدِّينِ) من جهة إثبات حجية الأدلة.
(وَالْعَرَبِيَّةِ) وليته قدَّمها، يعني من جهة دلالة الألفاظ على الأحكام، العربية بأنواعها كما سيأتي في الشرح.
الثالث: (تَصَوُّرِ الْأَحْكَامِ) يعني: يتوقف هذا العلم على تصور الأحكام.
ما المراد بتصور الأحكام؟ يعني: التعريفات، ولذلك يذكرون في المقدمات: ما معنى الإيجاب؟ ما معنى التحريم؟ ما معنى الحجية؟ ما معنى .. كل ما يتعلق بما يثبت للموضوعات؟ لماذا؟ لأننا سنبحث: (مطلق الأمر للوجوب) ما هو الوجوب؟ لو كان شخص ما يقول: مطلق الأمر وعرف الأمر، لكنه لم يعرف الوجوب، نقول: هذا ينبني عليه تمام فهم أصول الفقه أن يعرف المراد بالوجوب والإيجاب، فإذا كان كذلك فحينئذٍ صار داخلًا في مادته، إذًا هذه ثلاثة أشياء: أصول الدين، والعربية، وتصور الأحكام.
وأعظمها وأجلها وأقواها هو: العربية، ولذلك كلما قوي الشخص في العربية بأنواعها كما سيذكره الشارح فحينئذٍ يستغني عن كثير من مباحث الأصوليين، ولذلك ابن تيمية رحمه الله تعالى ذكر أن القياس من عرف لسان العرب على وجهه بسعته استغنى عن كثير من الأقيسة التي يذكرها الفقهاء، وما أوتي من أوتي بكثرة القياسات في باب الفقه إلا لجهله بسعة لغة العرب.