فهرس الكتاب

الصفحة 511 من 1890

ثم قال: (وَمِنْهُ) لماذا فصل؟ لوجود الخلاف في هذا النوع الذي هو الفساد والصحة، هل هما من خطاب الوضع، أو هما من خطاب التكليف، أو ليس من ذا ولا ذاك، يعني: ليس من الحكم الشرعي بل هو حكم عقلي، ثلاثة أقوال، وهذا السر في كون المصنف هنا رحمه الله تعالى قال: (وَمِنْهُ فَسَادٌ) يعني: لم يقل: وفساد عطف على سابقه.

(وَمِنْهُ) أي: ومن خطاب الوضع على الصحيح عند جماهير الأصوليين.

(فَسَادٌ) وهو حكم وضعي شرعي.

(وَصِحَّةٌ) وهو حكم شرعي وضعي. لماذا؟

قال: {لأَنَّهُمَا مِنْ الأَحْكَامِ} فالفساد حكم تقول: هذه الصلاة فاسدة، وهذه الصلاة صحيحة، وهذا البيع فاسد، وهذا البيع صحيح.

إذًا: هذه أحكام ولها محالُّها.

{وَلَيْسَا دَاخِلَيْنِ فِي الاقْتِضَاءِ وَالتَّخْيِيرِ} ليس في الصحة والفساد طلب.

يعني: مر معنا أن الحكم الشرعي إما اقتضاء وتخيير، وإما وضع، الاقتضاء يعني: الطلب، والتخيير يعني: التخيير .. إن شئت وإن شئت.

حينئذٍ يرد السؤال هنا عند التأمل في معنى الفساد والصحة، هل فيهما اقتضاء -طلب فعل أو طلب ترك-؟ الجواب: لا. إذًا: انتفى الاقتضاء، انتفى أربعة أحكام: الندب، والإيجاب، والتحريم، والكراهة.

بقي ماذا؟ التخيير. هل فيه تخيير؟ الجواب: لا، تعين أن يكون في الثاني؛ لأن الأحكام هذه لا تخرج عن الشريعة البتة"لا حاكم إلا الله"، فلا نحكم بكون العقل صحيحًا إلا من جهة الشرع.

إذا كان الأمر كذلك فلا بد أن يكون الحكم مستفادًا من الشرع يعني: من الكتاب والسنة، وليس عندنا حكم شرعي إلا وهو منحصر في نوعين: إما تكليفي وإما وضعي، فإذا انتفى معنى التكليف فحينئذٍ تعيّن أن يكون داخلًا في الثاني، ليس عندنا واسطة بين الأمرين، وليس عندنا حكم ثالث. إما تكليف وهو من جهة الشرع، وإما وضع وهو من جهة الشرع، فانتفى المعنى الأول، تعيّن أن يكون في الثاني.

ولذلك قال: {وَلَيْسَا} أي: الفساد والصحة {دَاخِلَيْنِ فِي الاقْتِضَاءِ وَالتَّخْيِيرِ} وهما بمعنى واحد.

{لأَنَّ الْحُكْمَ بِصِحَّةِ الْعِبَادَةِ وَبُطْلانِهَا، وَبِصِحَّةِ الْمُعَامَلَةِ وَبُطْلانِهَا: لاَ يُفْهَمُ مِنْهُ اقْتِضَاءٌ وَلا تَخْيِيرٌ، فَكَانَا مِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ} .

إذًا: القسمة ثنائية ولا ثالث لها البتة.

{وَهَذَا قَوْلُ الأَكْثَرِ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ} .

{وَذَهَبَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَجَمْعٌ إلَى أَنَّ الصِّحَّةَ وَالْبُطْلانَ أَمْرٌ عَقْلِيٌّ} مرده إلى العقل {غَيْرُ مُسْتَفَادٍ مِنْ الشَّرْعِ} وهذا باطل؛ لأنه ليس عندنا حكم إلا من جهة الشرع.

قال: {فَلا يَكُونُ دَاخِلًا فِي الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ} .

لأن العبادة إذ اشتملت على أركانها وشرائطها حكمَ العقل بصحتها سواء حكمَ الشارع بها أو لا، وهذا ليس بصحيح.

متى ما وُجدت الأركان والشروط وانتفت الموانع في العبادة حكمَ الشارع بصحة العبادة، الذي أمر بالعبادة وجعل لها أركانًا وشروطًا وشرائط لا تقوم العبادة إلا بها هو الذي حكم بكون العبادة إن وجدت بأركانها وواجباتها وشرائطها أنها صحيحة، وإذا تخلف شيء منها مما سبق .. من الأركان والشرائط حكم بكونها فاسدة، وليس مرده إلى العقل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت