فهرس الكتاب

الصفحة 512 من 1890

ورُد بأن الشرع إذا كان له في ذلك مدخلٌ كيف يكون عقليًا؟ والصحة والفساد أمور شرعية، والحكم بهما شرعي، وكون الفعل مسقطًا للقضاء أو موافقًا للشرع هو من فعل الله تعالى وأمره، وتصييره إياه سببًا لذلك، فلا الموافقة ولا الإسقاط بعقليين؛ لأن للشرع فيهما مدخلًا.

ولذلك قيل: القاضي إذا عُرض عليه النكاح -عقد النكاح- إما أن يحكم بالصحة وإما أن يحكم بالفساد، فحينئذٍ القاضي هل له أن يحكم بغير الشرع؟ لا، إذًا: إن حكم بالصحة فقد حكم بالشرع، إن حكم بالبطلان حكم بالشرع.

فدل على أن هذين الحكمين شرعيان؛ لأنه بالإجماع أن القاضي لا يجوز له أن يحكم بغير الشرع، فحينئذٍ لا يخرج عن مقتضى الشرعي البتة، فإذا حكم بصحة العقد أو فساده سواءٌ كان نكاحًا أو غيره، حينئذٍ نقول: ليس له مستند إلا الشرع، وهذا يدل على أن الصحة والفساد شرعيان لا عقليان.

قيل -اعتراضًا-: إنما ذلك في العبادات فقط. يعني: الحكم بالصحة من جهة الشرع في العبادات، والصحة بالبطلان فساد من جهة الشرع في العبادات، وأما المعاملات فلا، وأما ترتب الآثار .. قيل: إنما ذلك في العبادات فقط، يعني: الحكم بكون الفساد والصحة عقليين، هذا من جهة العقل في العبادات، وأما ترتب الآثار -آثار العقود- عليه فشرعي قطعًا، فرارًا من الإجماع السابق، لما أورد عليهم الإجماع أن القاضي لا يجوز له أن يحكم بغير الشرع وهذا محل وفاق، فحينئذٍ إذا حكم بصحة العقد ما حكمه؟ قال: لا، هذا يستثنى. يستثنى في ماذا؟ في كون الصحة والفساد هنا شرعيٌ وليس بعقلي، متى يكون عقليًا؟ قال: في العبادات.

رُدَّ عليه بأنه لا فرق بينهما من جهة الشرع، والتفريق هذا تحكُّم بين النصوص.

إذًا: قال: إنما ذلك في العبادات فقط يعني: الحكم بكون الصحة والفساد عقليين في العبادة، وأما ترتب آثار العقود عليه فشرعيٌ قطعًا، هذا ردًا على الاعتراض الذي لا مفر منه البتة. رُد بعدم الفرق.

ثم هذا قول بأن الصحة والفساد عقليان مقابلة لمن قال بأنهما شرعيان وأنهما من الحكم الوضعي.

قيل: بأنهما شرعيان، لكنهما من الحكم التكليفي لا الحكم الوضعي، وهذا مردود.

قال جماعة: معنى الصحة: الإباحة، فسّروا الصحة بماذا؟ بالإباحة، والإباحة حكم شرعي تكليفي، ومعنى البطلان: الحرمة، والحرمة حكم شرعي تكليفي.

إذًا: رجع معنى الفساد والصحة إلى الحكم التكليفي، إذًا: هما حكمان شرعيان تكليفيان.

والصواب: أنه وضعيٌ، وأن هذه الدعوى مردودة، أولًا: اللفظ لا يدل على هذا المعنى، الصحة ليست معنى الإباحة، والبطلان ليس معناه الحرمة. فلا يتلازمان.

حينئذٍ نقول: حمل هذين اللفظين على هذين المعنيين فيه عسر وتكلف، ثم ليس عليه دليل لا من جهة الشرع ولا من جهة اللغة.

ثم فسّر لنا معنى الصحة والفساد قال: (وَهِيَ فِي عِبَادَةٍ: سُقُوطُ الْقَضَاءِ بِالْفِعْلِ)

(وَهِيَ) أَيْ الصِّحَّةُ (فِي عِبَادَةٍ) إذًا: لا في معاملة.

إذًا: معنى الصحة في العبادة مغاير لمعنى الصحة في المعاملة؛ لأنه لما خص معنى الصحة بالعبادة دل على أن المعاملة ليس مرادة بهذا التعريف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت