فهرس الكتاب

الصفحة 529 من 1890

قال أبو حنيفة: الفاسد هو ما كان مشروعًا بأصله دون وصفه، يعني: هو في الأصل مشروع لكن دخل فيه وصف محرم .. اشتمل على وصف محرم، كالبيع .. بيع الدرهم بالدرهم في الأصل الجواز، لكن لو كان درهمًا بدرهمين؟ قالوا: هذا في الأصل بيع الدرهم بالدرهم جائز. لكن وقع التحريم هنا في الصفة، لكونه درهمين بدرهم.

فحينئذٍ قالوا: الأصل مشروع، والصفة ممنوعة. ما الذي ينبني على هذا التعريف والمثال المذكور؟

قالوا: على مذهب الجمهور بالترادف قالوا العقد باطل من أصله، حينئذٍ لا يمتلك هذا درهم ولا درهمين.

عند الأحناف: لا، العقد صحيح .. ويُصحَّح، كيف يصحَّح؟ بإرجاع الدرهم الثاني، فإذا رده قالوا: إذًا سلم من الإثم، وإلا العقد في أصله صحيح.

إذًا: ما كان مشروعًا بأصله ودون وصفه كبيع درهم بدرهمين، يعني: ما شُرع أصله وامتنع لاشتماله على وصف محرم، والربا مثال واضح في هذا.

قالوا: ويفيد الملك عند اتصال القبض به، يعني: إذا حصل بيع درهم بدرهمين هو ربا، في أصله الجواز، إذا حصل التقابض، حصلت الملكية أو لا؟ حصلت الملكية، ولكن يجب عليه أن يرد الدرهم الزائد فقط، وحصلت به الفائدة، وأما العقد فهو صحيح والملكية حاصلة بالعقد .. ترتب عليها أثرها؛ لأنه لا تنتقل الملكية إلا إذا صح العقد، وهم حكموا بالملكية عند القبض، فدل على أن العقد عندهم صحيح، وإنما يترتب عليه إرجاع الدرهم الزائد.

والباطل: ما لم يشرع بأصله ولا بوصفه. يعني: لم يُشرع بالكلية، قالوا: كبيع ما في البطون .. الحمل هل يجوز بيعه؟ لا يجوز، فلو حصل العقد عليه فهو باطل من أصله لأنه لم يشرع، وكذلك بيع الخنزير بالدم، قالوا: هذا ليس مشروعًا من أصله.

إذًا: فرقٌ بين النوعين، وهذا التفريق لا يصح.

لأن كل ممنوع بوصفه فهو بلا شك ممنوع في أصله .. كل ما منع منه الشارع لاشتماله على وصف ما فهو منعٌ لأصله.

إذا منعَ بيع الدرهم بالدرهمين هو منع لإنشاء العقد من أصله، وليس لجواز العقد في أصله ثم نأتي إلى الوصف فنمنعه لا، فنقول كقاعدة: الممنوع بوصفه ممنوع بأصله، وأما هذا التفريق فهو تفريق محدَث.

فالباطل لا يثمر، وكذلك الفاسد لا يثمر، فهما متساويان على كل حال.

ثم على طريقة الأحناف: مقتضاه أن يكون الفاسد -على كلامهم- الفاسد: هو الموجود على نوعٍ من الخلل، درهم بدرهمين موجود؛ لأن الشرع حكم بصحة العقد، لكن فيه خلل.

والباطل: هو الذي لا تثبت حقيقته بوجه ما.

أورد الزركشي آية تدل على فساد هذا التفصيل وهو قوله تعالى: (( لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا ) ) [الأنبياء:22] هم أرادوا بالفساد: ما صح بأصله دون وصفه.

وهنا عبَّر الباري جل وعلا عن شيء ما لا يصح أصلًا ولا يتصور عقلًا .. فليست له حقيقة، لكن عبّر بالفساد دون البطلان، فدل ذل على أن تعبير الأحناف عما وُجد أصله بالفساد ليس بصحيح، ليس موافقًا للشرع وليس موافقًا كذلك للغة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت