وَلِذَلِكَ حَصَلَ الاتِّفَاقُ عَلَى أَنَّ اللُّغَةَ لَمْ يَقَعْ فِيهَا طَلَبُ وُجُودٍ وَلاَ عَدَمٍ، إلاَّ فِيمَا يَصِحُّ عَادَةً. وَإِنْ جَوَّزْنَا تَكْلِيفَ مَا لا يُطَاقُ.
إذًا: هذا أراد فقط أن يبين لك اصطلاحات الفقهاء وغيرهم في معنى الصحة؛ إذ قد تكون شرعية وقد تكون عقلية وقد تكون عادية، والشرعية مستلزمة للعادية.
ثم قال رحمه الله تعالى: (وَبُطْلَانٌ وَفَسَادٌ مُتَرَادِفَانِ يُقَابِلَانِ الصِّحَّةَ الشَّرْعِيَّةَ) .
يعني: أراد أن يبين لك ما يتعلق بالفساد؛ لأنه ذكر الصحة في العبادة والمعاملة، فحينئذٍ يقابل الصحة الفساد والبطلان.
الفساد لغة: عبارة عن تغيُّر الشيء عن حالته السليمة إلى حالة السقم، والباطل لغة: الساقط، يقال: بطل الشيء إذا فسد وسقط حكمه.
إذًا: الفساد والبطلان من حيث اللغة مترادفان، يعني: بمعنى واحد.
وأما من حيث الاصطلاح، فيأتي في تفسيره الخلاف السابق، فيكون البطلان عند المتكلمين: مخالفة ذي الوجهين الشرع.
الصلاة حينئذٍ إذا وقعت مخالفة للشرع فهي باطلة، والصوم إذا وقع مخالفًا للشرع فهو باطل، وكذلك الزكاة إذا وقعت مخالفة للشرع، وكذلك الحج .. فهو باطل فاسد.
إذًا: الفساد والبطلان عند المتكلمين: مخالفة ذي الوجهين الشرع.
وعند الفقهاء: عدم إسقاط القضاء، فكل ما لا يُسقط القضاء فهو فاسد.
حينئذٍ نقول: الفساد والبطلان مترادفان، فنقول: بطلت العبادة وفسدت، نجمع بينهما.
قال: (يُقَابِلَانِ الصِّحَّةَ الشَّرْعِيَّةَ) يعني: لا العقلية، وعلمنا أن العادية داخلة تحت الشرعية. على القولين فيها، وهذا مذهب أحمد والشافعي وأصحابهما وغيرهم.
سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ فِي الْعِبَادَاتِ، أَوْ فِي الْمُعَامَلاتِ.
فَهُمَا فِي الْعِبَادَاتِ: عِبَارَةٌ عَنْ عَدَمِ تَرَتُّبِ الأَثَرِ عَلَيْهَا.
فإذا كان العقد هذا لا يترتب عليه الأثر من: نقل الملكية والتصرف التام فيه، فحينئذٍ نقول: هذا العقد ليس بصحيح، وكذلك فيما يتعلق بالنكاح وغيره.
قال هنا: سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ فِي الْعِبَادَاتِ، أَوْ فِي الْمُعَامَلاتِ.
فَهُمَا فِي الْعِبَادَاتِ: عِبَارَةٌ عَنْ عَدَمِ تَرَتُّبِ الأَثَرِ عَلَيْهَا، أَوْ عَدَمِ سُقُوطِ الْقَضَاءِ، أَوْ عَدَمِ مُوَافَقَةِ الأَمْرِ عبِّر بما شئت.
{وَفِي الْمُعَامَلاتِ: عِبَارَةٌ عَنْ عَدَمِ تَرَتُّبِ الأَثَرِ عَلَيْهَا} هذا مذهب الجمهور، وهو التساوي بين مصدق الفاسد والباطل.
{وَفَرَّقَ الإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ رحمه الله تعالى بَيْنَ الْبُطْلانِ وَالْفَسَادِ} .
فجعل البطلان له معنى خاص، والفساد له معنى خاص، فعند الحنفية: أن الفاسد والباطل بمعنى واحد في العبادات، أطلق كثير من الأصوليين أن الأحناف لا يفرِّقون بين الفاسد والباطل مطلقًا دون تفصيل، والصحيح المعتمد عندهم: أنهما بمعنى واحد في العبادات، وإنما التفريق حصل في المعاملات، وأما العبادات فهما سيان.
الفاسد والباطل بمعنى واحد في العبادة، والتفريق حاصلٌ في المعاملات، حينئذٍ ما الفرق بينهما.