{فَالتَّحْرِيمُ فِيهَا عَزِيمَةٌ؛ لأَنَّهُ حُكْمٌ ثَابِتٌ بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ خَالٍ عَنْ مُعَارِضٍ} .
لكن إذا وُجدت المخمصة حينئذٍ حصل دليل معارض راجح على الدليل السابق؛ لأنه قال: (( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ ) ) [المائدة:3] ثبت الأصل. حكم شرعي ثبت بدليل شرعي.
ثم وجدت المخمصة، فجاء (( فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) ) [المائدة:3] هذا الدليل معارض وهو راجح.
إذًا: عندنا دليلان .. ليس الأمر هنا عقلي، عندنا دليل سابق: (( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ ) )وثبتت به العزيمة وهو تحريم الميتة عند عدم المخمصة.
إن وُجدت المخمصة هذه حال أخرى، لكن باعتبار الشخص نفسه نقول: الثاني راجح على الأول، لماذا؟ لوجود وصف المخمصة، حينئذٍ الدليل الثاني: (( فَمَنِ اضْطُرَّ ) ) [المائدة:3] يعني: جاز له الأكل، مع كونه في السابق محرمًا، فنجعله على حالين:
الحال الأولى: عند عدم المخمصة فالتحريم ثابت وهو عزيمة.
الحال الثانية: حصل التعارض، فنقول: إذا وُجدت المخمصة فحينئذٍ استدل بالدليل الثاني فصار راجحًا لكونه معارضًا للأول.
{فَإِذَا وُجِدَتْ الْمَخْمَصَةُ حَصَلَ الْمُعَارِضُ لِدَلِيلِ التَّحْرِيمِ} وهو النص القرآن.
{وَهُوَ رَاجِحٌ عَلَيْهِ} يعني: على دليل التحريم،"لعلة"ما هي العلة؟ ثَم سبب {حِفْظًا لِلنَّفْسِ، فَجَازَ الأَكْلُ، وَحَصَلَتْ الرُّخْصَةُ} .
لأن مصلحة إبقاء النفس مقدمة على مفسدة الميتة، وما فيها من خبَث.
لأنه إنما حرم الباري جل وعلا أكل الميتة لما فيها من مفسدة عظيمة، ولما فيها من الخبث، لكن إذا عارضها ما قد يكون أعظم مفسدة منه وهو فوات النفس حينئذٍ نقول: هذه مفسدة مقدمة على السابق.
يعني: دفع المفسدة الأعظم -وهي موت النفس والقضاء عليها- مقدّم على دفع المفسدة الأدنى،
وارْتَكِبِ الأَخَفَّ مِنْ ضُرَّيْنِ ... وَخَيِّرَنْ لَدَى سِوَى هَذَينِ
دفع الكبرى مقدم على دفع الصغرى، ولذلك وجب عليه أن يأكل منها حفظًا للنفس.
إذًا: هذا ما يتعلق بتعريف العزيمة: (حُكْمٌ ثَابِتٌ بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ خَالٍ عَنْ مُعَارِضٍ رَاجِحٍ) فدخلت الأحكام الخمسة كلها.
وقيل: العزيمة تختص بالواجب والمحرم موافقة للمعنى اللغوي لها، يعني قال: (حُكْمٌ ثَابِتٌ) قلنا أطلق، شملت الأحكام التكليفية الخمسة.
وقيل: العزيمة تختص بالواجب والمحرم موافقة للمعنى اللغوي لها؛ إذ تدل لغة على كون الأمر قاطعًا، وذلك يتحقق في الفعل القاطع وهو الواجب، والترك القاطع وهو المحرم، فاختصت بهما دون غيرهما.
وعليهم في العزيمة عندهم: ما لزم العباد بإيجاب الله تعالى، وهذا تعريف الغزالي والآمدي وابن الحاجب، وقدمه في الروضة: ما لزم العباد بإيجاب الله تعالى. فاختصت العزيمة بالواجب والمحرم.
وليس كذلك؛ لأن العزيمة مقابلة للرخصة، والرخصة تكون في الواجب وغيره، فكذلك ما يقابله.
ثم قال: (وَالرُّخْصَةُ لُغَةً: السُّهُولَةُ) .
الرخصة مشتقة من الرخص وهو ضد الغلاء.
قال: (لُغَةً: السُّهُولَةُ) يعني: والتيسير. أي: خلاف التشديد.
ومنه رخُص السعر إذا سهل.