متعلَّق الأمر:"افعل"فعلٌ، وهذا لا نزاع فيه، بقي"لا تفعل"لا تزني، لا تكذب .. ما متعلقه؟ ما المطلوب من المكلَّف؟ هذا محل نزاع.
إذ مقتضاه إيجاد فعل المأمور به كالصلاة والصوم ونحوها تركوه لوضوحه. يعني: لم ينصو عليه.
وعدمِ الخلاف فيه، وذكروا ما هو محل الخلاف وهو النهي، ولذلك قيده المصنف هنا بقوله: (فِي نَهْيٍ) .
(وَمُتَعَلِّقُهُ) أي: متعلق التكليف في نهي دون الأمر، لماذا ترك الأمر؟ لأنه متفق عليه، أن متعلق هو الفعل وهو الإيجاد ولا خلاف فيه، كالصلاة والصوم والزكاة والحج .. إلى آخره، وأما النهي -الذي هو الترك- هذا وقع فيه نزاع بين الأصوليين، ما المراد به؟ ما المطلوب من المكلَّف؟ ماذا يصنع .. ماذا يفعل إذا جاءه النهي؟ هذا المراد به هنا.
قال: (فِي نَهْيٍ) نَحْوِ قَوْله تَعَالَى: (( وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلاَّ بِالْحَقِّ ) )فعلٌ عند الأكثر. يعني:"متعلقه في النهي"فعلٌ عند أكثر الأصوليين وهو كف النفس.
"فعلٌ"ولا شك؛ لأنه"لا تكليف إلا بفعل"هذه قاعدة اتفق عليها الجميع:"لا تكليف إلا بفعل"، لكن ما هو الشيء الذي يسمى فعلًا في باب النهي؟ هنا وقع النزاع.
ما هو تفسير الفعل في متعلَّق النهي؟ قال: فعلٌ، هو كَفُّ النَّفْسِ عن الفعل.
قال: {عِنْدَ الأَكْثَرِ، وَهُوَ الأَصَحُّ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ} .
(كَفُّ النَّفْسِ) بعضهم عبّر بالترك، وبعضهم عبّر بكف النفس. أيهما أخص وأيهما أعم؟
لا شك أن الترك أعم من كف النفس؛ لأن الكف إنما يكون منعًا لما حدَّثت النفس به نفسها، فحينئذٍ فيه شيء من حركة النفس فتحتاج إلى كفٍ .. إلى منع، أما الترك فهذا يشمل ما وافق النفس وما خالف النفس، هذا القول الأول وهو (كَفُّ النَّفْسِ) وهو عند الأكثر وهو الأصح عند الفقهاء من أصحابنا وغيرهم.
وقيل قول آخر: متعلق النهي ليس كف النفس، وإنما فعل ضد المنهي عنه.
يعني: لا بد أن يتلبس بفعل، وهو ضد المنهي عنه، فلو قال له: لا تسكن يعني: تحرك، لا تتحرك يعني: اسكن، لا بد أن يتلبس بضد .. بأي فعل كان، إن كان له ضد واحد تعين، وإلا فأيَّ ضد من أضداده.
{مَعْنَاهُ: فِعْلُ ضِدِّ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ} أيَّ ضدٍّ من أضداده كان؛ إذ بتلبسه بضده يكون تاركًا له، فإذا قال: لا تتحرك فمعناه: افعل ما يضاد الحركة.
{وَنُسِبَ إِلَى الْجُمْهُورِ} .
قالوا: لأن النهي معناه: طلب الترك، والترك نفي محض، والنفي المحض هذا لا يسمى فعلًا، لا بد أن يتلبس بضده حتى يكون فعلًا، هم اتفقوا على أن متعلَّق النهي فعل، واختلفوا في تفسير الفعل. اتفقوا على جزئية واختلفوا على جزئية أخرى، وهذا له نظائر: يتفقون على اللفظ ويختلفون في المعنى -في التفسير- هنا اتفقوا على متعلق النهي أنه فعل، فسّره القول الأول بأنه كف النفس، وفسَّره الجمهور بأنه: التلبس بفعل ضدٍ من أضداد المنهي عنه.
قالوا: لأن النهي معناه طلب الترك، والترك نفي محض، فلا يدخل تحت التكليف ولا يدخل تحت كسب العبد فلا يثاب عليه.