فهرس الكتاب

الصفحة 563 من 1890

فلا يكون الكف عن الفعل فعلًا إلا إذا تلبس بضد من أضداده، وعليه: فالثواب مترتب على تلبسه بهذا الضد لا على مجرد الترك والكف فقط.

إذًا: على هذا القول لا بد من إيجاد فعلٍ، حينئذٍ يكون الفعل هنا كالفعل هناك في باب الأمر، متعلق الأمر: الفعل، الذي هو الإيجاد كالصلاة والمشي ونحوها، ومتعلق النهي قالوا كذلك فعل، لا بد أن يكون مساويًا للفعل في باب الأمر، لكن ليس هو مساويًا له من حيث كون المطلوب في الأمر ما أمر به الشارع، أمر بصلاة فتوجد الصلاة، لكن في النهي يوجد نقيض، فإذا قال: لا تقتلوا. أي: حافظوا على أنفسكم، قال: لا تتحرك. يعني: اسكن.

فلا بد أن يتلبس بفعل يناقض الفعل الذي دل عليه بصيغة النهي.

هذا قول الجمهور ومنسوب إليهم.

وذهب في جمع الجوامع إلى أن المطلوب هو: الانتهاء، يعني: المطلوب هو الانتهاء -يعني: من النهي-، ويلزم منه التلبس بفعل ضدٍ من أضداد النهي عنه.

يعني: كأنه وافق أصحاب هذا القول، لكنه كما قال الزركشي: حرر العبارة، لماذا؟

قال: متعلق النهي الانتهاء، ولازم هذا الانتهاء: التلبس بفعل ضد من أضداده، إذًا: بدلًا من أن نقول بأنه هو المراد .. فعل ضدٍ من أضداده، قال: لا. نرجع إلى المعنى الأصلي .. المعنى اللغوي؛ لأنه قال: نهيته فانتهى، والانتهاء هو المتعلَّق. لا تفعل نهيته، إذًا: انتهى، فالانتهاء هو متعلق النهي، لكن يلزم منه التلبس بفعل ضد من أضداده.

وقيل: التفصيل بين الترك المجرد المقصود لنفسه من غير أن يُقصد معه ضدٌ فالتكليف فيه بالفعل، كالصوم فالكف فيه مقصود، ولهذا وجبت فيه النية، وبين الترك المقصود من جهة إيقاع ضده كالزنا والشرب فالمكلف فيه بالضد.

إذًا: ثلاثة أقوال:

أولًا: متعلق النهي كف النفس.

ثانيًا: فعل ضدٍ من أضداده.

ثالثًا: التفصيل بين الترك المجرد وغيره.

وما قدمه المصنف هو أظهر والله أعلم.

ثم قال: (وَيَصِحُّ بِهِ حَقِيقَةً قَبْلَ حُدُوثِهِ وَلَا يَنْقَطِعُ بِهِ) وهذه مسألة أصولية مبنية على مسألة عقدية، فالخلاف هنا خلاف عقدي.

(وَيَصِحُّ بِهِ حَقِيقَةً قَبْلَ حُدُوثِهِ) .

{وَيَصِحُّ التَّكْلِيفُ بِهِ أَيْ بِالْفِعْلِ حَقِيقَةً} يعني: لا مجازًا (قَبْلَ حُدُوثِهِ) قبل التلبس بالفعل .. قبل أن يُكبَّر .."أقم الصلاة"أنت الآن مأمور بصلاة العشاء. هل أنت مكلفٌ بها، أو حتى تقول: الله أكبر؟

هنا محل النزاع.

المصنف اختار أنه يصح التكليف به، يعني: بالفعل (قَبْلَ حُدُوثِهِ) يعني: قبل حدوث وإيجاد الفعل وهو الحق، وهذه كما ذكرنا مبناها على مسألة الاستطاعة مع الفعل أو قبله.

قال الطحاوي: والاستطاعة التي يجب بها الفعل من نحو التوفيق الذي لا يوصف المخلوق به تكون مع الفعل ابتداء، وأما الاستطاعة من جهة الصحة والوسع والتمكين وسلامة الآلات فهي قبل الفعل.

إذًا: ثم استطاعتان: استطاعة لا تكون إلا مع الفعل وهي استطاعة التوفيق.

والاستطاعة الأخرى وهي القبول وصحة الآلات والوسع والقدرة، فهذه تكون قبل الفعل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت