إذًا: المراد بقوله: (وَبِغَيْرِ مَا عَلِمَ آمِرٌ وَمَأْمُورٌ انْتِفَاءَ شَرْطِ وُقُوعِهِ) وهو الحياة.
فلا يمكن وقوعه لانتفاء شرطه.
قالوا: {وَمِنْ فَوَائِدِ الْخِلافِ: الابْتِلاءُ وَوُجُوبُ الْكَفَّارَةِ فِي تَرِكَةِ مَنْ جَامَعَ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ ثُمَّ مَاتَ} يعني: إذا علم الباري أنه يموت قبل غروب الشمس، .. إذا جامع في أول النهار، تجب عليه الكفارة أو لا؟ هذا ينبني: هل هو مكلف أو لا بهذا اليوم؟ إن قلت: ليس مكلفًا بهذا اليوم فلا تجب، مع أن الإجماع على الوجوب، فدل على أنه مكلف.
{وَكَذَا مَنْ عَلَّقَ طَلاقَ زَوْجَتِهِ بِشُرُوعِهِ فِي صَوْمٍ أَوْ صَلاةٍ وَاجِبَيْنِ وَمَاتَ فِي أَثْنَاءِ ذَلِكَ، فَإِنَّهَا تَطْلُقُ إِجْمَاعًا} .
هنا قال: {وَقَدْ قَطَعَ الأُصُولِيُّونَ بِعَدَمِ صِحَّةِ تَكْلِيفِ مَا عَلِمَ آمِرٌ وَمَأْمُورٌ انْتِفَاءَ شَرْطِ وُقُوعِهِ} هذا باتفاق الأصوليين.
ويصح مع جهل الآمر اتفاقًا كأمر السيد عبده بخياطه ثوب غدًا. وهذا قلنا ليس في شأن الباري.
قال المصنف: (وَيَصِحُّ تَعْلِيقُ أَمْرٍ بِاخْتِيَارِ مُكَلَّفٍ فِي وُجُوبِ وَعَدَمِهِ) .
يعني: ليس مما يعارض التكليف بالأمر أن يعلَّق باختيار مُكلّف، وهذا شأن المندوب؛ لأن المندوب مأمور به أو لا؟ قلنا: مأمور به.
إذًا: يصح أن يُعلَّق باختيار المكلَّف.
ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ وَابْنُ حَمْدَانَ وَغَيْرُهُمْ. وَقِيلَ: لاَ.
لَفْظُ ابْنِ عَقِيلٍ: يَجُوزُ أَنْ يَرِدَ الأَمْرُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى مُعَلَّقًا عَلَى اخْتِيَارِ الْمُكَلَّفِ بِفِعْلٍ أَوْ بِتَرْكٍ مُفَوَّضًا إِلَى اخْتِيَارِهِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمَنْدُوبَ مَأْمُورٌ بِهِ.
يعني: المسألة هذه خاصة بالمندوب، ليست داخلة في الأمر الذي هو الواجب؛ لأن الواجب لا اختيار فيه، وإنما الاختيار يكون في المندوب، هل لك أن تفعل أو لا، هذا شأنه ومرده إلى المكلَّف.
{مَعَ كَوْنِهِ مُخَيَّرًا بَيْنَ فِعْلِهِ وَتَرْكِهِ} .
قال: (لاَ أَمْرٍ بِمَوْجُودٍ) يعني: لا يصح التكليف بموجود عند أصحابنا وهو الأكثر؛ لأنه تحصيل الحاصل.
إذًا: يشترط في الفعل المكلَّف به أن يكون معدومًا يعني: غير موجود، فإن كان موجودًا حينئذٍ يكون التكليف به من التكليف بالمحال ومر أنه ممتنع.
إذًا: هذه المسألة الأخيرة التي ختم بها ما يتعلق بالتكليف:
(يَصِحُّ تَعْلِيقُ أَمْرٍ) والمراد به المندوب (بِاخْتِيَارِ مُكَلَّفٍ فِي وُجُوبِ وَعَدَمِهِ) نقول: هذا راجع إلى المندوب لا إلى الأمر الذي بمعنى الواجب. والله أعلم.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين ... !!!