يعني: {يَصِحُّ التَّكْلِيفُ بِغَيْرِ مَا عَلِمَ آمِرٌ وَمَأْمُورٌ انْتِفَاءَ شَرْطِ وُقُوعِهِ} هذا المكلَّف به، إذا كان وقوعه مشروطًا بشرط يتحقق انتفاؤه عند وقته، هل يصح التكليف به أو لا؟
ذكر المصنف هنا حالتين:
(بِغَيْرِ مَا عَلِمَ) إذًا: المنصوص عليه لا يصح، أما ما علم صح أو لا؟ صح.
يصح بغير ما علم آمر ومأمورٌ، إذًا: إذا علم آمرٌ ومأمورٌ لا يصح، وبقي: إذا علم مأمورٌ وجهل آمرٌ، وهذا كذلك لا يصح.
فحينئذٍ نقول:
الحال الأولى: أن يعلم الآمر انتفاء الفعل دون المأمور، هذا جائز عند الأكثر.
يعني: الباري جل وعلا يكلف العبد بأن يصوم أول يوم من رمضان فينوي ثم في أثناء اليوم يموت، علم الباري أنه لن يأتي بالفعل؛ لأنه مطالب بيومٍ كامل لا بجزء اليوم. إذًا: لم يأت به، هل يصح التكليف به؟ نقول: نعم يصح التكليف.
لماذا؟
لأن متعلقه من جهة الآمر لا من جهة المأمور.
أن يعلم الآمر انتفاءه دون المأمور كأمر الله تعالى رجلًا بصوم غدٍ مثلًا كأول يوم من رمضان مع علمه بموته قبله مثلًا أو في أثنائه، فذهب الجمهور إلى أنه يصح وهو كذلك، وهو صحيح، وقيل: لا.
ومنشأ الخلاف: أن فائدة التكليف: هل هي الامتثال فقط أو الابتلاء أيضًا؟ هل هي الامتثال فقط أم يجمع الأمرين: أنها امتثال وابتلاء؟
فعلى الأول لا يصح، إذا كان المراد الامتثال فقط قالوا: لا يصح.
وعلى الثاني: يصح.
والصواب: أنه يراد من التكليف الامتثال والابتلاء، وعليه نقول: يجوز أن يكلف الآمرُ المأمورَ بفعلٍ يعلم أنه لن يقع منه البتة.
الصورة الثانية: أن يعلم المأمور انتفاء الشرط أيضًا، أن يعلم المأمور أنه سيموت قبل دخول رمضان، ومع ذلك كُلِّف بالصوم، وهنا أطبق الأصوليون على المنع؛ لأنه لا تظهر فائدة للتكليف.
إذًا: في الصورة الأولى: الجمهور على الصحة، وهو أن يعلم الآمر دون المأمور.
الصورة الثانية: أن يعلم المأمور كذلك، فحينئذٍ نقول: هذه أطبق الأصوليون على المنع.
بقي صورة ثالثة وهي: مع جهل الآمر بعدم وقوع الشرط.
قيل: يصح اتفاقًا، لكن هذا لا يأتي في حق الباري جل وعلا، أن يجهل الآمر! نقول: لا، هذا يكون في شأن المخلوق.
قال هنا: (وَبِغَيْرِ مَا عَلِمَ آمِرٌ وَمَأْمُورٌ انْتِفَاءَ شَرْطِ وُقُوعِهِ) ما هو شرط وقوع الفعل؟ الحياة مثلًا، فيشترط للصوم أن يكون حيًا، ولذلك قال: فَيَصِحُّ بِمَا عَلِمَ آمِرٌ وَحْدَهُ انْتِفَاءَ شَرْطِ وُقُوعِهِ فِي وَقْتِهِ عِنْدَ الأَكْثَرِ.
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي أُصُولِهِ: يَجُوزُ التَّكْلِيفُ بِمَا يَعْلَمُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ الْمُكَلَّفَ لاَ يُمَكَّنُ مِنْهُ مَعَ بُلُوغِهِ حَالَ التَّمَكُّنِ عِنْدَ الْقَاضِي وَابْنِ عَقِيلٍ وَأَبِي الْخَطَّابِ. وَقَالَ: إنَّهُ يَقْتَضِيهِ مَذْهَبُ أَصْحَابِنَا.
فَلِهَذَا يَعْلَمُ الْمُكَلَّفُ بِالتَّكْلِيفِ قَبْلَ وَقْتِ الْفِعْلِ. وَذَكَرَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا إِجْمَاعَ الْفُقَهَاءِ.
قال مثال المسألة: لو أمر الله رجلًا بصوم يومٍ وقد علم الله سبحانه موته قبله أو في أثنائه، وشرطُ الصوم: الحياة.