إذًا: هو مرحلة من مراحل تحريم الخمر، فينظر في حاله، فهذا كان في ابتداء الإسلام قبل تحريم الخمر.
والمراد منه: المنع من إفراط الشرب في وقت الصلاة كي لا يأتي عليه وقت الصلاة وهو سكران.
ودليل هذا التوجيه: أن الآية لما نزلت كانوا لا يشربونها إلا في وقتين: بعد صلاة العشاء وبعد صلاة الصبح، لماذا؟ لوجود الوقت الطويل .. من أجل أن يفيق.
وأما غير ذينك الوقتين فلا يشربونها لضيق الوقت.
إذًا: هذه الآية تُفسَّر بحال تحريم الخمر، أنه مرحلة من مراحل تحريم الخمر، فلا تُجعل قاضية على الأصل الذي دل عليه الإجماع، وهو أنه لا تكليف إلا بعقل وفهم، فالآية تُفهم بالإجماع السابق، وليس شرطا التكليف يُفهم بمدلول هذه الآية، لماذا؟ لأنها ليست نصًا أولًا بل هي محتمل. ثم لها سبب نزول وحال.
حينئذٍ بهذا الفهم لا نرجع نقيّد الشرطين السابقين، وإنما نقول: هذه الآية محتملة، ونحملها على هذا المعنى: بأنهم خوطبوا في حال الصحو؛ لئلا يرد وقت الصلاة التي هي محل ضيق -لئلا يفيقوا- وهم على سكرهم، حينئذٍ قيل: (( لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى ) )فكانوا متى يشربون؟ بعد العشاء وبعد الفجر، جاء الامتثال؛ لأنه لا يشرب بعد الظهر لأن وقت العصر قريب.
ولا يشرب بعد العصر لأن وقت المغرب قريب، ولا يشرب بعد المغرب لأن الوقت قريب. فامتثلوا.
ولذلك عينوا الوقتين لطول الزمن فيهما، وحينئذٍ نقول: هذا وجه في الحمل.
أو هو خطاب لمن وجد منه مبادئ النشاط والطرب، ولم يزل عقله؛ لأنه إذا ظهر بالبرهان -هكذا قال ابن قدامة-: إذا ظهر بالبرهان استحالة توجيه الخطاب وجب تأويل الآية.
إذًا: هذه الآية أولًا: هي ظاهرة وليست بنص، ثم هي محتملة، وإذا كان كذلك حينئذٍ تُحمل على الإجماع السابق.
إذًا: الصحيح أن السكران غير مكلف لانتفاء الشرطين السابقين، واستدل المصنف للقول الأول بقوله تعالى: (( لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى ) ) [النساء:43] دل على أن السكران مكلف؛ لأن الله تعالى خاطبه، وهو لا يخاطب إلا مكلف فالسكران مكلف. هذا فيه تناقض مع ما تأصل سابقًا أنه من شرط التكليف: الفهم، والسكران عقلًا وواقعًا لا يفهم، فانتفى عنه الفهم.
ثم قال رحمه الله تعالى: (وَإكْرَاهٍ) يعني ماذا؟
{وَيُكَلَّفُ الْعَاقِلُ أَيْضًا مَعَ إكْرَاهٍ} .
(وَيُبِيحُ مَا قَبُحَ ابْتِدَاءً بِضَرْبٍ أَوْ تَهْدِيدٍ بِحَقٍّ أَوْ غَيْرِهِ) هذا النوع الثاني.
النوع الأول مما وقع فيها النزاع هل هو مكلف أم لا: السكران.
والصحيح أنه غير مكلف.
النوع الثاني: قال"المكره".
المكره وهو: من حُمِلَ على شيء يأباه ولا يرضاه مطلقًا. حُمِلَ على شيء يأباه يعني: يرفضه، ولا يرضاه مطلقًا، يعني: سواء تعلقت به قدرته أو لا.
ثم اعلم أن المكره نوعان، بعضهم يميز -من الأصوليين- إذا أراد أحد نوعي المكره خصه بوصف، وإذا أراد الآخر قال: المكره.
لكن المصنف هنا لم يفْصل وجعل المكره على حالين .. على نوعين:
الحال الأولى: مكره ملجأ، وهو من كان كالآلة، فهذا غير مكلف بالاتفاق لأنه مسلوب القدرة، غير مختار كالآلة، كالسكين يُقطع بها.
هذا ليس له فعل، ولا ينسب له فعل، وليس الفعل صادرًا عنه.