فهرس الكتاب

الصفحة 581 من 1890

وقال ابن عقيل والموفق والطوفي وأكثر المتكلمين: ليس بمكلف.

وهو قول الجمهور وهو الصحيح: أن السكران ليس بمكلف.

لأن الإتيان بالفعل المعين .. انتفاء الشرط السابق أولًا: العقل وإن كان أصله موجودًا إلا أنه مغطى عليه، ثم انتفى عنده انتفاء تامًا -الشرط الثاني- وهو الفهم.

ولذلك قلنا: نجعل تحقق الشرطين هو الأصل، كل مسألة مرت كالمكره، والملجأ، والنائم، والساهي .. إلى آخره، هل حال التكليف .. الخطاب، يعني: دخول وقت العبادة كشهر رمضان وشهر الحج ووقت الصلاة، هل وُجد فيه الشرطان أم لا؟

حينئذٍ السكران لا يفهم، هل أحد يقول بأن السكران يفهم؟ لا يفهم، إذًا: انتفى عنده الشرط، فكيف يقال بأنه مكلف؟ ونحن حكينا الإجماع فيما سبق على اعتبار الشرطين، فإما أن نلتزم الإجماع وإما أن نرجع ونقول: المسألة خلافية فيما سبق، قد يكلف ولا يفهم؛ لأننا إذا قلنا السكران .. الطافح الذي لا يدري عن السماء والأرض مكلف، حينئذٍ رجعنا إلى الأصل، قلنا الفهم ليس بمشترط، كيف نقول إجماع هناك ثم نأتي نستثني السكران؟!

إذًا: معرفة أن القاعدة في باب التكليف أن مبناها على العقل والفهم، هذا يريحك في كثير من المسائل.

إذًا: قول جمهور أهل العلم من الأصوليين وغيرهم: أن السكران ليس بمكلف وهو الصحيح إن شاء الله تعالى؛ لأن الإتيان بالفعل المعين على وجه الامتثال يتوقف على العلم بالأمر بالفعل المأمور به، ومر معنا أنه يشترط في الفعل المكلَّف به: العلم، هو لا يدري، دخل وقت الصلاة وخرج وهو لا يدري، ولو قيل له: أقم الصلاة ظنه أنه أغنية هذا وليس بقرآن، فلا يدري عن شيء.

فحينئذٍ نقول: لأن الإتيان بالفعل المعين على وجه الامتثال وقصد الطاعة، وينوي القربى بقلبه، هذا يتوقف على العلم بالأمر بالفعل المأمور به؛ لأن الامتثال عبارة عن قصد إيقاع المأمور به على وجه الطاعة، ويلزم من ذلك: علم المأمور بتوجه الأمر نحوه وبالفعل، فهو مستحيلٌ عقلًا فيه؛ لعدم الفهم حال كونه كذلك.

فتكليف السكران هذا من باب التكليف بالمحال، وهو ممنوع شرعًا وعقلًا، فالسكران في حال سكره لا يفهم الخطاب، فكيف يوجَّه إليه خطاب لا يفهمه ويقال: افهم؟ -هذا كلام ابن قدامة في الروضة-."السكران في حال سكره لا يفهم الخطاب، فكيف يوجَّه إليه خطاب لا يفهمه ويقال: افهم، فهو كالصبي والمجنون، لا فرق بينهما البتة."

فلو كُلِّف في تلك الحال لكان تكليفًا بالمحال وهو لا يجوز، وأما قوله تعالى -وهو ما استدل به من قال بالتكليف- قوله تعالى: (( لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى ) ) [النساء:43] قالوا: خاطب الله عز وجل هنا السكران، ولا يخاطبه إلا إذا كان مكلفًا، فدل على أنه مكلف.

وأما قوله تعالى: (( لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى ) ) [النساء:43] هذا يُنظر إلى سبب النزول، ويُنظر إلى الحالة التي نزلت فيها، فإنها هي التي تعين على فهم الآية.

لا نقف مع اللفظ فقط وإنما نقف مع اللفظ والآية، وسبب النزول، وحال الصحابة، وفهم الصحابة لذلك، فهذا كان في ابتداء الإسلام قبل تحريم الخمر .. قبل أن يتعين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت