إذًا: {حَدُّ السَّكْرَانِ: هُوَ الَّذِي يَخْلِطُ فِي كَلامِهِ وَيَسْقُطُ تَمْيِيزُهُ بَيْنَ الأَعْيَانِ. وَلَوْ كَانَ يُمَيِّزُ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، وَبَيْنَ الذَّكَرِ وَالأُنْثَى} .
قال المصنف: والصحيح من المذهب -مذهب الإمام أحمد وأكثر أصحابه- والشافعي والحنفية أنه مكلف، ولذلك قدمه قال: (وَيُكَلَّفُ مَعَ سُكْرٍ) .
إذًا: السكران يعتبر مكلفًا على المذهب، لكن قيده بماذا؟ (لَمْ يُعْذَرْ بِهِ) .
قال ابن برهان: مذهب الفقهاء قاطبة أنه مخاطب. لكن في نسبة الكلام للشافعي أنه يرى تكليفه هذا معلل عند الشافعية، قيل: قال بتكليفه عقوبة له؛ لأنه تسبب بمحرم حصل باختياره، ولهذا وجب عليه الحد بخلاف العاقل، يعني: من باب التعزير؛ لأنه ينبني عليه أنه لو كُلِّف لطولب بالقضاء.
إذًا: المذهب المقدم عند الحنابلة أن السكران مكلف.
قال ابن برهان: مذهب الفقهاء قاطبة أنه مخاطب.
{قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ رحمه الله تعالى فِي رِوَايَةِ ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ: السَّكْرَانُ لَيْسَ بِمَرْفُوعٍ عَنْهُ الْقَلَمُ} يعني: قلم التكليف. فهو مخاطب.
{وَفِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرِ بْنِ هَانِئٍ: أَنَّ السَّكْرَانَ لَيْسَ بِمَرْفُوعٍ عَنْهُ الْقَلَمُ} يعني: قلم التكليف {فَلا يَسْقُطَ عَنْهُ مَا صَنَعَ وَفِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ: لَيْسَ السَّكْرَانُ بِمَنْزِلَةِ الْمَرْفُوعِ عَنْهُ الْقَلَمُ، هَذَا جِنَايَتُهُ مِنْ نَفْسِهِ} .
يعني: تسبب، فحينئذٍ يتحمل ما تسبب.
{وَحَكَى الإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ الإِمَامِ الشَّافِعِيِّ رحمهم اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: وَجَدْت السَّكْرَانَ لَيْسَ بِمَرْفُوعٍ عَنْهُ الْقَلَمُ، وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي الأُمِّ أَيْضًا. فَيَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ الصَّاحِي فِي أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ} .
{حُكْمَ الصَّاحِي فِي أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ} يعني: لو باع واشترى صح بيعه، ولو طلّق لصح طلاقه، ولو أعتق لصح عتقه، ولو أوقف لصح وقفه .. هذا كله ينبني على أنه مكلف.
{وَأَمَّا قَضَاءُ مَا فَاتَهُ مِنْ الْعِبَادَاتِ زَمَنَ سُكْرِهِ} فجماهير أهل العلم على أنه يتعين عليه القضاء، ولذلك قال هنا: {فَلَمْ يَقُلْ بِعَدَمِ وُجُوبِهِ إِلاَّ أَبُو ثَوْرٍ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ} .
كأنهم اثنان فقط، وابن حزم كذلك والشوكاني، وأتباع ابن حزم وأتباع الشوكاني، ينبني على ماذا؟ على مسألة الأمر، القضاء هل هو بأمر جديد أو بالأمر السابق؟
لأنه أخرج الصلاة عن وقتها، السكران أخرج الصلاة عن وقتها، فحينئذٍ على قول جماهير الفقهاء أن القضاء يجب بالأمر الأول، إذًا: السكران مثله، حينئذٍ يكون داخلًا في الحكم، فيلزمه القضاء بناء على الأمر الأول، وعلى ما صحح سابقًا:
وَالأَمْرُ لاَ يَسْتَلْزِمُ القَضَاءَ ... بَلْ هُوَ بِالأَمْرِ الجَدِيْدِ جَاءَ
لماذا؟
قال هنا: حينئذٍ نحتاج إلى دليل جديد واضح بيّن يُلزِم السكران بالقضاء، فما قاله أبو ثور وابن تيمية هو الصحيح، أنه لا يلزمه، حتى على القول بأنه مكلف لا يلزمه القضاء إلا بدليل جديد.
هذا القول الأول فيما ذكره المصنف رحمه الله تعالى وقدمه على أنه المذهب: أن السكران مكلف.