إذًا: عندنا سُكر يعذر به وسكر لا يعذر به، على تفرقة المصنف:"سُكرٌ يعذر به"أنه غير مكلف؛ لأنه يثبت للمفهوم خلاف الحكم الذي ذكره، قال: (وَيُكَلَّفُ مَعَ سُكْرٍ لَمْ يُعْذَرْ بِهِ) إذًا: سكر يعذر به لا يكلف، وسينص عليه فيما يأتي.
إذًا: فرْق عند المصنف بين النوعين.
قال: (وَيُكَلَّفُ مَعَ سُكْرٍ لَمْ يُعْذَرْ بِهِ) {وَهُوَ مَا إذَا اسْتَعْمَلَ مَا يُسْكِرُهُ مُخْتَارًا عَالِمًا بِأَنَّهُ يُسْكِرُ} .
أما من أُكره على أخذ المسكر، وهذا عنده سكر معذور به، فهو غير مكلف، حينئذٍ العبرة في ماذا؟ العبرة مع العلم والاختيار، فإن كان عالمًا مختارًا قال: هذا مكلف، إن كان غير عالم وليس مختارًا بل أُكره على شرب السكر ونحوه قال: هذا غير مكلف.
حينئذٍ محط الخلاف بين الحكمين هو العذر، إن كان معذورًا ارتفع عنه التكليف, وإن لم يكن معذورًا لم يرتفع عنه التكليف وهذا محل إشكال، لماذا؟
لأنه إذا لم يكن مكلفًا إذا كان معذورًا لِعدَم الفهم، ولتغطية العقل، فالعلة التي من أجلها ارتفع الحكم هي موجودة هنا، إذا قال بأنه إذا أُكره على السكر أو أعطي شرابًا ولا يدري عنه فسكر، هل هذا مكلف أو لا؟ عند المصنف: غير مكلف، ما العلة؟ لانتفاء شرط التكليف وهو الفهم، والعقل مغطًى عليه، نقول: هذه العلة موجودة هنا، وهذا اعتراض ابتداء.
قال: وَهُوَ مَا إذَا اسْتَعْمَلَ مَا يُسْكِرُهُ مُخْتَارًا عَالِمًا بِأَنَّهُ يُسْكِرُ، فإن ميّز السكران بين الأعيان فحكمه حكم سائر العقلاء بلا نزاع، يعني: السكران على مرتبتين: قد يميز بين الأعيان، وقد لا يميز، فالمراد هنا: السكران المختلف فيه، هل هو مكلف أم لا؟ لا بد له من ضابط.
قال: فإن ميّز السكران بين الأعيان فحكمه حكم سائر العقلاء بلا نزاع.
الذي يكون في أوائل النشوة هذا أقرب إلى العقلاء، بل هو عاقل ويفهم الخطاب، حينئذٍ هذا مكلف بلا نزاع، يعني: ما أخذ حقَّه السكرُ وإنما في أول الأمر، نقول: هذا يفهم وهذا يدرك بعقله ولا زال عقله موجودًا
ولا زال فهمه موجودًا؛ لأن الحكم يدور مع العقل والفهم وجودًا وعدمًا، إن انتفيا أو انتفى أحدهما ارتفع التكليف، وهذا السكران الذي في أول نشوته عاقل ويفهم، إذًا: الحكم موجود، ولذلك لا خلاف بين أهل العلم في أن من كان في سكره في أوله أنه مكلف.
قال: لأنه عاقل يفهم، مكلف كغيره من العقلاء، وإن كان لا يميز بين الأعيان أو يخلط في كلامه وقراءته فهذا محل الخلاف. لأنه أخذ حقه.
فحد السكران الذي فيه الخلاف: هو الذي يخلط في كلامه ويسقط تمييزه بين الأعيان، ولو كان يميز بين السماء والأرض وبين الذكر والأنثى، يعني: ليس المراد هنا أن يفقد تمييزه مطلقًا حتى يصدق عليه أنه غير مكلف لا، وإنما يختلط في كلامه الذي يُعبّر به ويخلط بين الأعيان في الجملة، ولو كان يميز بأن تلك سماء وهذه أرض، وقد يصل به الوضع أنه لا يميز بين أرض ولا سماء، بل قد يظن السماء أرضًا والأرضَ سماءً. فهذا محل خلاف.