قال التاج السبكي: لا يشمل الخلاف إتلافًا ولا جناية ولا ترتب أثر عقد، حينئذٍ هذه الأحكام مستثناه، يعني: أشبه ما يكون بالحكم الوضعي، إن تعلق بالكافر، الحكم الوضعي لا يشترط له الإسلام، حينئذٍ لو وقع من الكافر ما يترتب عليه ضمان، فحينئذٍ نقول: يخاطب به، وهذا محل وفاق لا خلاف فيه، كما نقول: الصبي غير مكلف بالإجماع، الصبي دون التمييز غير مكلف بالإجماع، لكن لو أتلف مال غيره ضمن أو لا؟ ضمن وليه، كذلك المجنون ضمن وليه.
ترتيب الأحكام هنا من قبيل ربط الأحكام بأسبابها فيكون من الحكم الوضعي، كذلك الشأن في الكافر، لكن قيده المصنف .. هنا ليس الكافر الحربي، الحربي كاسمه هذا مباين للمسلمين، لكن الكافر الذي يكون في عهدة المسلمين.
قال: بل هم مؤاخذون بالإتلافات والجنايات، وما يترتب على العقد من الآثار بلا نزاع، هذه المسألة محل وفاق.
قال في شرح التحرير: لَكِنَّ هَذِهِ الأَحْكَامَ مِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ لا مِنْ خِطَابِ التَّكْلِيفِ، فلا مدخل لهذه المسألة فيما تقدم حتى تُخرج. بحثنا السابق: مخاطبون بالشرعيات .. بالصلاة ونحوها يعني: خطاب التكليف، وليس بحث الأصوليين في خطاب الوضع فإنه متفق عليه، فرٌق هذا بين مسألتين.
ولذلك اعتُرض، التاج السبكي استثنى مسألة وكأنه أراد أن يحرر المسألة ويبين محل النزاع، فقال: لَكِنَّ هَذِهِ الأَحْكَامَ مِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ لا مِنْ خِطَابِ التَّكْلِيفِ.
فلا مدخل لهذه المسألة فيما تقدم حتى تُخرج.
بَلْ هُمْ أَوْلَى مِنْ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ فِي الضَّمَانِ بِالإِتْلافِ وَالْجِنَايَةِ.
وَلا بُدَّ مِنْ وُجُودِ الشُّرُوطِ فِي مُعَامَلاتِهِمْ، وَانْتِفَاءِ الْمَوَانِعِ، وَالْحُكْمِ بِصِحَّتِهَا أَوْ فَسَادِهَا وَتَرَتُّبِ آثَارِ كُلٍّ عَلَيْهِ، مِنْ بَيْعٍ وَنِكَاحٍ وَطَلاقٍ وَغَيْرِهَا.
يعني: البيع لا بد أن يكون مستوفيًا للأركان والشروط، وكذلك النكاح وغيرها.
{وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ: أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ رحمه اللَّهُ تعالى قَالَ بِصِحَّةِ أَنْكِحَتِهِمْ مَعَ قَوْلِهِ بِعَدَمِ تَكْلِيفِهِمْ بِالْفُرُوعِ} .
أبو حنيفة مذهبه: ليس الكفار مخاطبين بالفروع، ومع ذلك صحَّح الأنكحة، ما الجمع بينهما؟ أن المنع فيما يتعلق بخطاب التكليف، والتصحيح .. الأنكحة هنا فيما يتعلق بخطاب الوضع.
إذًا: مما اتفق عليه أهل الأصول في كون الكفار مخاطبين:
أولًا: أصول الشريعة: الإيمان والإسلام، فالكفار مخاطبون بأصول الشريعة إجماعًا، كما اتفقوا على أنهم مخاطبون بالعقوبات كالحدود والقصاص.
قال أبو إسحاق الإسفراييني: لا خلاف أن خطاب الزواجر من الزنا والقذف يتوجه على الكفار كما يتوجه على المسلمين.
إذًا: أصول الشريعة، وكذلك العقوبات كالحدود والقصاص، وما يتعلق بعموم أحكام الوضع.
قال: (وَيُكَلَّفُ مَعَ سُكْرٍ لَمْ يُعْذَرْ بِهِ) .
(وَيُكَلَّفُ) من؟ يعني: العاقل.
(مَعَ سُكْرٍ) السكر المراد به في اللغة: غيبوبة العقل واختلاطه، يعني: قد يؤثر على العقل أو يغطي عليه شيءٌ ما، ومن هذه الأشياء السكر، والسكر معلوم، لكن قيده المصنف هنا قال: (لَمْ يُعْذَرْ بِهِ) .