ويمتنع تكليفه، والمراد به: من لا يجد مندوحة على الفعل مع حضور عقله، وذلك كمن يُلقى من شاهق -على زيد يُقتل به، صار كالآلة-، فهو لا بد له من الوقوع، ولا اختيار له فيه، ولا هو بفاعل أصلًا، وإنما هو آلة محضة كالسكين في يد القاطع، فلا يُنسب إليه فعل، وحركته كحركة المرتعش، ومن أجاز تكليفه بناه على التكليف بالمحال.
قال هنا: (كَآلَةٍ تُحْمَلُ)
قَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ: إِذَا انْتَهَى الإِكْرَاهُ إِلَى سَلْبِ الْقُدْرَةِ وَالاخْتِيَارِ، فَهَذَا غَيْرُ مُكَلَّفٍ.
وَقَالَ الْبِرْمَاوِيُّ: الْمُكْرَهُ كَالآلَةِ يَمْتَنِعُ تَكْلِيفُهُ قِيلَ: بِاتِّفَاقٍ وهو الصحيح.
{لَكِنْ الآمِدِيُّ أَشَارَ إِلَى أَنَّهُ يَطْرُقُهُ الْخِلافُ مِنْ التَّكْلِيفِ بِالْمُحَالِ لِتَصَوُّرِ الابْتِلاءِ مِنْهُ، بِخِلافِ الْغَافِلِ، وَحينئذٍ فَلاَ تَكْلِيفَ بِفِعْلِ الْمُلْجَأِ إلَيْهِ. لأَنَّهُ وَاجِبُ الْوُقُوعِ، وَلاَ بِتَرْكِ الْمُلْجَأِ إِلَى تَرْكِهِ، لأَنَّهُ مُمْتَنِعُ الْوُقُوعِ} .
والصواب: أنه غير مكلف.
والمكره بحق.
قال المصنف فيما سبق: (بِضَرْبٍ أَوْ تَهْدِيدٍ بِحَقٍّ أَوْ غَيْرِهِ) فهو مكلف، بحق كما لو أمره أو أكرهه ولي الأمر على بيع شيء ما، إن كان محقًا فحينئذٍ هو مكره.
قال هنا: باتفاق -نقل الاتفاق-، والمكره بحق مكلف عند الأربعة وغيرهم، ومن ذلك إكراه الحربي والمرتد عن الإسلام فإنه يصح منهما، وهما مكلفان بذلك، وإكراه الحاكم المديون بالوفاء مع القدرة، ونحو ذلك من الأحكام. وهذا يدل على أن المكره فيما ذكره المصنف هذا مستثنى ومذكور في باب الفقه، وأما ما عداه فثَم قولان: مكلف وغير مكلف، اختار المصنف أنه مكلف، والصواب: أنه يمتنع تكليفه. والله أعلم.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين ... !!!