فهرس الكتاب

الصفحة 585 من 1890

{وَإِنَّمَا يُبِيحُ الأَقْوَالَ، وَإِنْ اخْتُلَفَ فِي بَعْضِ الأَفْعَالِ، وَاخْتَلَفَ التَّرْجِيحُ} .

قال ابن القيم رحمه الله تعالى: الإكراه يبيح الأقوال عندنا وعند الجمهور، وكل قول أُكره عليه بغير حق باطل، يعني: لو أُكره على طلاق، أُكره على بيع، أُكره على سب أو لعن .. أو شيء من ذلك فهو باطل، يعني: لا يترتب عليه أثره.

واستدل بقوله: (( مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ ) ) [النحل:106] وهذا النص دال على أن المكره غير مكلف وهو الصحيح: أن المكره غير مكلف؛ لهذا النص القرآني (( إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ ) ) [النحل:106] يعني: أُكره بقول أو فعل على التفصيل، ويختلف التفصيل في المذاهب، لكن واضح من النص أن المكره غير مكلف.

ثم النص النبوي: كذلك يدل على أنه غير مكلف، فيضاف إلى ما سبق.

قال هنا: وأما الأفعال ففصل فيها -ابن القيم رحمه الله تعالى- فقال: الإكراه على الأفعال ثلاثة أنواع:

نوع لا يباح بالإكراه -يعني: مهما كان- كقتل المعصوم، هذا لا يباح: اقتل زيدًا وإلا قتلناك، وإتلاف أطرافه كذلك: اقطع يد زيد وإلا قطعنا يدك، هذا لا يباح له البتة.

هذا نوع لا يباح بالإكراه كقتل معصوم وإتلاف أطرافه، ونوع يبيحه الإكراه بشرط الضمان، يعني: لك أن تفعله لكن تضمن، كإتلاف المال، اقتل بهيمة زيد وإلا قتلناك، نقول: لا يجوز .. اقتلها، لكن بشرط الضمان.

إذًا: بشرط الضمان كإتلاف مال المعصوم.

ونوع مختلف فيه. اختلف فيه العلماء، حينئذٍ تختلف فيه المذاهب ك الإكراه على الزنا، وشرب الخمر، والسرقة، وفيه روايتان عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى.

قال ابن القيم: فما أمكن تلافيه أبيح بالإكراه كالأقوال والأموال.

يعني: ما أمكن أن يأتي بعوض عنه أو يتلافاه بشيء آخر أبيح له.

فما أمكن تلافيه أبيح بالإكراه كالأقوال والأموال، وما كان ضرره كضرر الإكراه لم يبح به كالقتل -هذا لا يباح له-؛ فإنه ليس قتل المعصوم بحياة المكره أولى من العكس.

إذًا: الصواب أنه يمتنع تكليف المكره، والمراد به: من يُنسب إليه الفعل فيقال: فعل مكرهًا غير مختار؛ لأنه ليس له قصد، انتفى القصد هنا.

وهو من لا يجد مندوحة عن الفعل إلا بالصبر على إيقاع ما أُكره به.

قال: (لاَ مَنْ كَآلَةٍ تُحْمَلُ) هذا النوع الثاني من المكره، وهو ما يسمى بالملجأ، الذي خرج عن طوره لا ينسب إليه فعل البتة وليسه له اختيار، وليس له قصد، ولذلك لو فصَل بينهما المصنف بمصطلح خاص لكان أولى.

قال: لاَ يكلف عند أصحابنا والأكثر: مَنْ انْتَهَى الإِكْرَاهُ إلَى سَلْبِ قُدْرَتِهِ حَتَّى صَارَ كَآلَةٍ تُحْمَلُ، ويسميه البعض بالملجأ.

هذا يمتنع تكليفه باتفاق، لا خلاف بين أهل العلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت