فهرس الكتاب

الصفحة 588 من 1890

فالملجأ الذي سُلبت منه القدرة ويسمى مكرهًا كذلك، صار كالآلة يعني: لا يتحكم بنفسه، كمن حُمل وألقي به من شاهق على رجل فقتله، هذا صار كالآلة .. كالحجر، هذا غير مكلف باتفاق، وإنما النوع الثاني الذي يسمى مكرهًا وهو الذي معه اختياره وقدرته، هل هو مكلف أم لا؟ نقول: جاء النص دالًا على أنه غير مكلف لقوله تعالى: (( إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ ) ) [النحل:106] دل النص على أن الإكراه يعتبر علة وسببًا في عدم التكليف.

وجاء النص هنا في ماذا؟ في الكفر، يعني: كلمة الكفر، فما دونها من باب أولى وأحرى. وأما الفعل وما يترتب عليه فتفصيل ابن القيم رحمه الله تعالى تفصيل جيد فيه.

إذًا: المكره على الصحيح أنه غير مكلف، وأما الملجأ فهذا محل وفاق، ولكن المصنف هنا رحمه الله تعالى ذهب إلى أنه مكلف، والصواب أنه يمتنع تكليف المكره.

بل بناه بعضهم كالزركشي وغيره، بناه على مسألة التكليف بالمحال، ولذلك لا ينتظم، من يقول بأن السكران مكلف ثم يقول: لا تكليف بما لا يطاق، هذا لا ينتظم معه، وإنما يتفرع القول بتكليف السكران أو المكره على القول بالتكليف بالمحال، لأن التكليف بالمحال أن من لا يفهم يقال له: افهم، كالأعمى يقال له: أبصر وهو لا يُبصر، إذا أُمر بكونه لا يبصر يقال له: أبصر، كذلك الذي لا يفهم كالسكران يقال له: افهم، هذا تكليف بالمحال.

والصحيح: أن المكره مطلقًا سواء كان ملجأ أو غيره غير مكلف.

ووقفنا عند قوله:(أَوْ عُذِرَ بِسُكْرٍ.

وَآكِلٌ بَنْجًا، وَمُغْمًى عَلَيْهِ، وَنَائِمٌ، وَنَاسٍ، وَمُخْطِئٌ، وَمَجْنُونٌ، وَغَيْرُ بَالِغٍ).

هذه كذلك أصناف ممن وقع فيهم النزاع: هل هم مكلفون أم لا؟

قال الشارح: {وَقَدْ عُلِمَ مِمَّا: تَقَدَّمَ: أَنَّهُ يَصِحُّ التَّكْلِيفُ مَعَ سُكْرٍ لَمْ يُعْذَرْ بِهِ، وَأَمَّا مَنْ عُذِرَ بِالسُّكْرِ، كَمَنْ أُكْرِهَ عَلَى شُرْبِ الْمُسْكِرِ فَإِنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ فِي حَالِ سُكْرِهِ الْمَعْذُورِ بِهِ} .

يعني: فرّق بين السكر المعذور به والسكر غير المعذور به، بمعنى أنه إذا أُكره على شرب الخمر، فحينئذٍ قال: هذا غير مكلف، وأما إذا أخذه باختياره فهو مكلف.

فحينئذٍ نقول: العذر وعدمه لا تأثير له بالتكليف، لماذا؟

لأن شرط صحة التكليف غير جهة العذر وعدمه، وإنما يُنظر إلى العقل والفهم، هل هو معه أم لا؟ هذا الذي يكون مناط التكليف، وأما كونه عُذر أو لا، نقول: هذا يحتاج إلى نص.

ثم قوله:"يا أيها الذين آمنوا"صح الاستدلال به على أن السكران مكلف، هذا عام،"وأنتم سكارى"يعني: ليس فيه تفصيل بين المعذور وعدمه، فالتفرقة بين النوعين ليس في محلها، إما أن يقال: السكر مطلقًا عذرٌ يعني: مكلف، وإما أن يقال بأنه غير مكلف.

أما التفصيل الذي جرى عليه المصنف هذا فيه نظر.

قال هنا: (أَوْ عُذِرَ بِسُكْرٍ) يعني: فلا يُكلف، والسكران المعذور والذي شرب خمرًا وهو لا يدري أنه خمر أو أكره على شرب خمر هذا عند المصنف غير مكلف.

قال: {وَكَذَا لا يُكَلَّفُ آكِلٌ بَنْجًا} البنج يؤخذ دواءً وغيره كما سيأتي، قال: غير مكلف، والمغمى والناسي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت