فهرس الكتاب

الصفحة 591 من 1890

ثانيًا: مسألة التكليف بالمحال، فمن منعه، يلزم منه منع تكليف السكران والمكره والنائم والساهي .. يلزم منه ذلك، وإلا تناقض، لماذا؟ لأن التكليف بالمحال قلنا: أهم ما يُستدل به أنه لا يقال لمن لا يفهم افهم، يعني: لا يقال للأعمى: ابصر، ولا يقال للأخرس: تكلم أو اسمع، ولا يقال للجدار: افعل.

حينئذٍ نقول: امتنع خطاب هذه لامتناع القبول، وكذلك السكران يمتنع، وكذلك المكره، وكذلك الغافل.

ومن جوزه كالأشعري فله هنا قولان.

قال الزركشي في سلاسل الذهب: والخلاف ينبني على التكليف بالمحال، يعني: تكليف النائم والساهي إلى .. آخره، ينبني على التكليف بالمحال، فمن أحاله منع تكليف الغافل، ومن جوَّزه اختُلف قوله فيه، فمنه من جوَّزه طردًا لحقيقة البناء، ومنهم من منعه وهو المختار؛ إذ لا فائدة فيه خلاف التكليف بالمحال، يعني: فيه فائدة الابتلاء.

إذًا: النائم أو إن شئت قل: الغافل، ويدخل تحته النائم والساهي وغيرهم، هؤلاء غير مكلفين.

قال هنا: {أَنَّهُمَا غَيْرُ مُكَلَّفَيْنِ حَالَ النَّوْمِ وَالنِّسْيَانِ} على الصحيح من المذهب؛ لأنه لا يفهم، فكيف يقال له: افهم.

علَّل الشارح بقوله: {لأَنَّ الإِتْيَانَ بِالْفِعْلِ الْمُعَيَّنِ عَلَى وَجْهِ الاِمْتِثَالِ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْعِلْمِ بِالْفِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ} ولو قال:"لانتفاء شرط التكليف"لكان أولى بالتعليل، ولو قال:"لأنه فرع على التكليف بالمحال وقد منعناه"لكان أولى، لو علل في نفي التكليف -النائم والساهي- بأنه فرع لفقد شرطي صحة التكليف لكان أولى؛ لأنه بدأ الفصل ببيان ما يشترط في صحة التكليف، يعني: الآدمي .. المحكوم عليه.

حينئذٍ إذا لم يتحقق وجود الشرطين أو أحدهما رجعنا إلى الأصل وهو عدم التكليف.

قال: لأَنَّ الاِمْتِثَالَ عِبَارَةٌ عَنْ قَصْدِ إِيقَاعِ الْمَأْمُورِ بِهِ عَلَى وَجْهِ الطَّاعَةِ.

وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ عِلْمُ الْمَأْمُورِ بِتَوَجُّهِ الأَمْرِ نَحْوَهُ وَبِالْفِعْلِ. فَهُوَ مُسْتَحِيلٌ عَقْلًا لِعَدَمِ الْفَهْمِ. كَمَا تَقَدَّمَ فِي السَّكْرَانِ، بِدَلِيلِ عَدَمِ تَحَرُّزِهِمْ مِنْ الْمَضَارِّ يعني: النائم والساهي لا يتحرز من المضار، هو كالسكران.

{وَقَصْدِ الْفِعْلِ بِلُطْفٍ وَمُدَارَاةٍ} يعني: لا يقصد الفعل.

{بِخِلافِ الطِّفْلِ وَالْمَجْنُونِ فَإِنَّهُمَا يَفْهَمَانِ وَيَقْصِدَانِ الْفِعْلَ عِنْدَ التَّلَطُّفِ بِهِمَا} أما المجنون فهذا قد يقال بأنه لا يقصد الفعل.

{وَيَحْتَرِزَانِ عَنْ الْمَضَارِّ} كذلك ليس كل مجنون يحترز عن المضار.

{بَلْ وَالْبَهِيمَةُ كَذَلِكَ، وَيُخَصُّ النَّائِمُ وَالنَّاسِي بِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .. } .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت