وعنه هو كالسكران، واختاره الشيخ تقي الدين، قال: لأنه قصد إزالة العقل بسبب محرم، يعني: يعتبر مكلفًا.
وقال القاضي: إن زال عقله بالبنج نظرت، فإن تداوى به فهو معذور ويكون الحكم فيه كالمجنون، وإن تناول ما يزيل عقله بغير حاجة كان حكمه كالسكران.
{الرَّابِعَةُ وَالْخَامِسَةُ: النَّائِمُ وَالنَّاسِي، وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُمَا غَيْرُ مُكَلَّفَيْنِ حَالَ النَّوْمِ وَالنِّسْيَانِ} .
ويعبَّر عن النائم والساهي بالغافل في كتب الأصول، قد لا يُنص على كونه نائمًا أو ساهيًا أو ناسيًا، وإنما يقال: يمتنع تكليف الغافل كالنائم والناسي، لماذا؟ لمضادة العقل وفهم الخطاب؛ لأننا ننظر إلى الأصل وهو شرط صحة التكليف، فالنائم عقله مغطى ولا يفهم الخطاب، وكذلك الساهي والناسي والغافل على جهة العموم، عقله مغطى ولا يفهم ولا يفهم الخطاب.
إذًا: انتفى فيه شرطان أو أحدهما، فحينئذٍ نقول: بأن العقل والفهم شرط، ولا شك أن الشرط يلزم منه المشروط، وجودًا وعدمًا؟ نقول: وجودًا وعدمًا.
فإذا انتفى الشرط انتفى المشروط، هذا القياس في جميع المسائل، ينتظم معك انتظامًا واحدًا.
فحينئذٍ نقول: يمتنع تكليف الغافل لمضادة هذه الأمور، فينتفي شرط صحة التكليف، ولا يرد ثبوت الأحكام في أفعاله في الغفلة والنوم؛ لأن ذلك من قبيل ربط الأحكام بالأسباب؛ لأنه قد يترتب على النائم بعض الأحكام الشرعية.
يعني: لو كان نائمًا فقام فقتل، هل نقول غير مكلف فيسقط عليه الضمان؟ الجواب: لا، يجب عليه الضمان، كيف وجب عليه الضمان وهو غير مكلف؟ نقول: هنا من الحكم الوضعي، وحديثنا في الحكم الشرعي التكليفي .. البحث كله في الحكم الشرعي التكليفي، فيجب عليه الضمان ولا تنافي.
ولذلك يُفصَّل في بعض المسائل: الطلاق يقع أو لا يقع؟ لا يقع منه، البيع والشراء لا يقع، وإنما يكون في باب ضمان المتلفات يعني: إذا أتلف شيئًا.
فحكم النائم حكم الصبي، الصبي إذا أتلف شيئًا وجب الضمان على وليه، كذلك النائم إذا أتلف شيئًا وجب الضمان عليه إن كان مكلفًا في الأصل.
إذًا: لا يرد ثبوت الأحكام في أفعال النائم والساهي في الغفلة والنوم؛ لأن ذلك من قبيل ربط الأحكام بالأسباب، ومثله الساهي، لو سهى في صلاته وجب سجود السهو، فحينئذٍ نقول: وجوب سجود السهو يترتب على ماذا؟ على السهو، لكنه لا من جهة أنه مكلف في حال سهوه، وإنما لكونه قد ترك واجبًا.
ولذلك قال القفَّال: إنما طُلب منه سجود السهو ووجبت الكفارة على المخطئ -بناء على أن المخطئ غير مكلف- لكون الفعل في نفسه محرمًا، من حيث إنه محظورٌ عقدُه، لا أنه في نفسه غير منهي عنه في هذه الحالة؛ لأنه يمكنه التحفظ منه.
إذًا: الغافل بأنواعه، سواء كان ساهيًا أو ناسيًا أو نائمًا، هذا يمتنع تكليفه، ولذلك قيل: من منع التكليف بالمحال فهاهنا أولى.
يعني: هذه المسائل كلها المذكورة هنا التي وقع فيها النزاع مردها إلى مسألتين، إذا ضُبطت حينئذٍ تعرف هذه الفروع، وكلها فروع.
أول مسألة: شرطا التكليف: العقل والفهم.