ولذلك من أخطأ في رمضان فأفطر قبل الغروب يجب عليه القضاء؛ لأن الأصل بقاء النهار، وكونه أخطأ يرفع عنه الإثم؛ لأنه يحرم عليه أن يفطر قبل غروب الشمس، فإذا أفطر خطأ رُفع عنه الإثم ويلزمه القضاء، فحينئذٍ وقع هنا في القصد لا في أصل المسألة، فالصحيح أن المخطئ مكلف على أصله، وأما أنه يُرفع عنه الإثم فهذا للنص.
بقي الصبي والمجنون، الصبي إما أن يكون مميزًا أو لا، والصبي غير المميز: هو الذي من ولادته إلى تمام السبع، هذا يسمى غير مميز.
والصواب: أن الفرق بين النوعين -المميز وغير المميز-: هو اعتبار السن، وفي الغالب أنه يكون بالسبع لورود النص، والمراد هنا تمام السبع.
حينئذٍ ما دون السبع نقول: هذا غير مكلف بالإجماع، والصبي المميز هذا وقع فيه نزاع بين أهل العلم وجاء النص فيه، فدل على أنه غير مكلف وهو قول جمهور العلماء، يعني: دون تفصيل، لأن القلم مرفوع عنه حتى يبلغ.
وعن الإمام أحمد: أنه مكلف.
ومذهب مالك وأصحابه: تكليف الصبي بالمكروه والمندوب فقط دون الواجب والمحرم؛ لما مر معنا:
قَدْ كُلِّفَ الصَّبِي عَلَى الَّذِي اعْتُمِي ... بِغَيْرِ مَا وَجَبَ وَالُمَحَرَّمِ
يعني: الواجب والمحرم غير مكلف، والمندوب والمكروه مكلف.
قالوا: للإجماع على أنه لا إثم عليه بترك واجب ولا بارتكاب محرم، هذا الأصل في الصبي إذا لم يكن بالغًا.
لرفع القلم عنه، وأما المكروه والمندوب فاستدلوا لتكليفه بحديث: له حج، ومعلوم أن الحج لا يقع إلا فرضًا أو نفلًا -على القول بأنه نفل- أو فرض كفاية، لكن لا يتصور أن يكون من الصبي فرض كفاية، فحينئذٍ يرجع إلى كونه نفلًا، والنفل هو المندوب وهو المستحب، وهو حكم تكليفي، وأثبت النبي صلى الله عليه وسلم أن له حجًا.
إذًا: هل يقال الصبي قد حج؟ نعم. لا شك .. للنص: يعني: له حج، فدل على أنه مخاطب بالمندوب، وقلنا هذه مسألة فيها إشكال من الجهتين.
وأما المجنون فهذا واضح أمره لما سبق أنه مطلقًا غير مكلف للنص.
قال المصنف: (وَوُجُوبُ زَكَاةٍ وَنَفَقَةٍ وَضَمَانٍ مِنْ رَبْطِ الْحُكْمِ بِالسَّبَبِ) .
يعني: كل من مضى ممن قيل إنه غير مكلف، إن وقع منه شيء يتعلق بالحكم الوضعي فحينئذٍ لا اعتراض، فهو من قبيل ربط الحكم بالسبب، ومعلوم أن ربط الحكم بالسبب من أي نوعي الحكم الشرعي؟ الوضعي، والوضعي لا يشترط فيه العقل ولا فهم الخطاب، ولا إشكال ولا اعتراض.
لأن البعض يقول: لو لم يقال بأن النائم مكلف، كيف لو قتل نضمِّنه؟
نقول: هذا الضمان ليس من قبيل التكليف، وإنما الضمان من ربط الحكم بالسبب، فهو حكم وضعي، وليس المحل محل خلاف في هذه المسألة، ولذلك يُنص على ذلك.
قال: (وَوُجُوبُ زَكَاةٍ وَنَفَقَةٍ) هذه مرتبطة بالمال، فإذا وُجد المال وبلغ النصاب وحال عليه الحول وجبت الزكاة، فإذا ملك صبيٌ مالًا بلغ النصاب وحال عليه الحول وجبت فيه الزكاة.
لو كان المجنون عنده مال، وبلغ النصاب وحال عليه الحول وجبت فيه الزكاة، كيف وجبت فيه الزكاة ونحن نقول: المجنون غير مكلف؟ نقول: هذا من الحكم الوضعي، وبحثنا في الحكم التكليفي.