أراد أن يبين حقيقة هذا الكتاب ما المراد به؟ والأصل فيه أن يقال: القرآن هو القرآن .. لا يحتاج إلى تعريف، القرآن كل مسلم يعرف ما هو القرآن، هو الذي يقرأه وهو الذي موجود مكتوب بين دفتي المصحف، لكن لهم اعتبار، يعرِّفون القرآن من أجل أن يبحثوا في أن البحث في القرآن لا من جهة البحث فيه من أصول الدين؛ لأن حقيقة القرآن عندهم ماذا؟ هو المعنى النفسي، والبحث في القرآن باعتبار كونه معنىً نفسيًا هذا يُبحث في أصول الدين كما يقولون.
وأما هنا فالمراد به اللفظ الدال على المعنى، فلئلا يتبادر الذهن عندما يقال القرآن أو الكتاب إلى المعنى النفسي الذي هو عندهم أصل عرَّف القرآن، ولذلك قلنا: هو اللفظ، هو الكلام، هو القول، من باب أن الأصوليين يبحثون في كلام الله عز وجل باعتبار داله، أما باعتبار مدلوله فهذا لا بحث لهم هنا عند الأصوليين.
ولذلك بعضهم ينص على أن القرآن هو اللفظ.
لَفْظٌ مُنَزَّلٌ عَلَى مُحَمَّدِ ... لِأَجْلِ الاِعْجَازِ وَلِلتَّعَبُّدِ
قال: لَفْظٌ، ولذلك الشيخ الأمين رحمه الله تعالى في النثر وكذلك في المذكرة يرى أن صاحب المراقي هنا وافق أهل السنة والجماعة، وهو ليس بصحيح .. لم يوافق أهل السنة والجماعة، وإنما مشى على هذه الطريقة التي نص عليها الأصوليون، وهم أنهم ينصون على أن المراد بالقرآن هنا أو بالكتاب هو اللفظ، بناء على أن بحث الأصوليين في الألفاظ، لا أنه هو القرآن الحقيقي المعتبر الذي هو كلام الله تعالى، وإنما يبحثون في داله، يعني: الدال غير المدلول، المدلول هو الكلام النفسي .. هو القرآن.
ولذلك صاحب المراقي نفسه لمَّا عرّف الأمر قال: هو اقتضاء فعل غير .. في الأخير قال:
هُوَ اقْتِضَاءُ فِعْلِ غَيْرِ كَفِّ
هَذَا الَّذِي حُدَّ بِهِ النَّفْسِيُّ ... دُلَّ عَلَيْهِ لاَ بِنَحْوِ كُفِّيْ
وَمَا عَلَيْهِ دَلَّ قُلْ لَفْظِيُّ
إذًا: فرْق بين النوعين.
فلما عرَّف القرآن بأنه لفظ منزّلٌ، لم يرد أن هذا هو القرآن الحقيقي لا، وإنما أراد أن يعرِّف اللفظ لأن بحث الأصوليين في اللفظ فحسب، فلا يلتبس عليك، وما ذكره الشيخ الأمين لا يُسلّم له، بأن صاحب المراقي وافق هنا أهل السنة والجماعة لا، هو أشعري جلد ومشى على طريقة الأشاعرة ومن شاكلهم.
إذًا: عرفنا لماذا يُعرِّف الأصوليون هنا القرآن.
قال: (وَهُوَ كَلَامٌ) (وَهُوَ) أَيْ: الْقُرْآن.
(كَلَامٌ) هذا جنس، لكل ما تُكلِّم به من الكتب وغيرها.
قال: وهو أولى من اللفظ، يعني: بدلًا من أن نقول: لفظ نقول: كلام وهو أولى، لماذا؟ لأن الكلام أخص من اللفظ .. هو نوع منه، فهو جنس قريب، وأولى من القول لموافقته القرآن في قوله تعالى: (( فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ) ) [التوبة:6] .
إذًا: التعبير هنا بكون القرآن كلام الله أولى؛ لأنه هو الموافق للمنصوص.
ولم يقل: هو الكلام"بأل"؛ لأن الحقيقة لا يؤتى فيها بدال على كمي، وإنما يؤتى بالأصل وهو النكرة.
(كَلَامٌ مُنَزَّلٌ) {أَيْ: نَزَّلَهُ جِبْرِيلُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلامُهُ عَلَيْهِ} فيخرج حينئذٍ الكلام غير المنزّل.