ففيه البيان لجميع الأحكام، قال الإمام الشافعي: ليس ينزل بأحد في الدنيا نازلة إلا وفي كتاب الله تعالى الدليل على سبيل الهدى (( مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ) ) [الأنعام:38] وما ثبت بالسنة ابتداء أو غيرها فإنه مأخوذ من كتاب الله تعالى في الحقيقة؛ لأنه أوجب علينا فيه اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم وحذرنا من مخالفته، مع أن السنة منها ما هو مؤسِّس كما سيأتي، لكن لما كان هذا التأسيس أو هذا الحكم المؤسَّس مأمورًا به من جهة الكتاب فهو داخل فيه، يعني على التأويل.
قال الإمام الشافعي: فمن قبِل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعنِ الله قبِل.
لما كان كذلك بدأ به فقال: (بَابٌ الْكِتَابُ، وَهُوَ كَلَامٌ مُنَزَّلٌ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُعْجِزٌ بِنَفْسِهِ مُتَعَبَّدٌ بِتِلَاوَتِهِ)
(بَابٌ) أي: هذا باب.
(الْكِتَابُ) ما المراد بالكتاب؟ المراد به القرآن، وقد قال بعضهم أنه ليس هو القرآن، والحق الذي عليه أئمة السلف أنه هو القرآن.
وهو {الْقُرْآنُ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ الأَعْيَانِ. بِدَلِيلِ قَوْلِ مَنْ نَزَّلَ الْفُرْقَانَ: (( وَإِذْ صَرَفْنَا إلَيْك نَفَرًا مِنْ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ ) )إِلَى قَوْلِهِ: (( إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا ) )} .
فعُبِّر عن القرآن بأنه كتاب، ولا إشكال فيه.
قال: (( يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ ) )إلَى قَوْلِهِ: (( قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى ) ) [الأحقاف:30] وَالْمَسْمُوعُ وَاحِدٌ.
وَبِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى فِي آيَةٍ أُخْرَى: (( إنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إلَى الرُّشْدِ ) ).
(( إنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا ) )، قالوا: (( إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا ) )فعبّروا تارة بالقرآن وتارة بالكتاب، وهما اسمان لشيء واحد، إذًا: هما مترادفان، ومر معنا أن الترادف والتباين قد يجتمعان، لفظان قد يكونان مترادفين متباينين باعتبارين، وذكرنا كلام ابن القيم رحمه الله تعالى ومثَّل بأسماء القرآن، وقلنا: هي كأسماء الباري جل وعلا.
يعني: القرآن والكتاب باعتبار دلالته على الذات -على مسماه- هما مترادفان، باعتبار أن الكتاب مأخوذ من الكتْبِ، وأن القرآن مأخوذ من القراءة هما متباينان، كالرحيم والرءوف، كالسميع والبصير مترادفان باعتبار مصدقهما على الذات، متباينتان باعتبار ما دل عليه الأول من صفة السمع والثاني من صفة البصر ونحو ذلك.
كذلك هنا: مترادفان متباينان.
وَالإِجْمَاعُ مُنْعَقِدٌ عَلَى اتِّحَادِ اللَّفْظَيْنِ.
وَالْكِتَابُ فِي الأَصْلِ جِنْسٌ يعني: يصدق على أي كتاب، نقول: هذا كتاب. هذا الأصل فيه.
{ثُمَّ غُلِّبَ عَلَى الْقُرْآنِ مِنْ بَيْنِ الْكُتُبِ فِي عُرْفِ أَهْلِ الشَّرْعِ} .
فأل فيه للغلبة؛ لأنه صار المراد به: الذي يتعارفه المسلمون المقابل للسنة. فيقال: الكتاب والسنة، فأل فيه للغلبة.