قال: (وَالْقِيَاسُ) وهو الرابع والأخير الذي يُذكر في الأدلة.
فهو منها، أي: من الأصول على الصحيح، بل هو إجماع السلف، إجماع السلف على أن القياس في الجملة يعتبر دليلًا شرعيًا، خلافًا لمن أنكره ولا حجة معه.
{وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ. وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي وَجَمْعٌ: لَيْسَ الْقِيَاسُ مِنْ الأُصُولِ} .
يعني: هل هو أصل أم فرع؟
وليس مراد أبي المعالي هنا أنه ليس بدليل لا، وإنما هو دليل لكن الأدلة -أدلة الفقه- منها أصل ومنها فرع، فحينئذٍ لا يلزم من نفي القياس أن يكون أصلًا ألا يكون دليلًا. انتبه لهذا.
{لَيْسَ الْقِيَاسُ مِنْ الأُصُولِ، وَتَعَلَّقُوا بِأَنَّهُ لاَ يُفِيدُ إلاَّ الظَّنَّ} .
هذه مشكلة الظن والقطع تحتاج إلى ضبط، حينئذٍ لما كان القياس مُفاده الظن يعني: لا يكون قياسًا إلا وهو مفيد للظن، وهذا ليس بصحيح، بل قد يفيد القياس القطع، لكن على كلامه أنه لا يفيد إلا الظن، حينئذٍ ما لا يفيد إلا الظن لا يكون أصلًا، وإنما يكون فرعًا.
قال هنا: لَيْسَ الْقِيَاسُ مِنْ الأُصُولِ، وَتَعَلَّقُوا بِأَنَّهُ لاَ يُفِيدُ إِلاَّ الظَّنَّ.
قَالَ فِي شَرْحِ التَّحْرِير: وَالْحَقُّ هُوَ الأَوَّلُ. وَالثَّانِي ضَعِيفٌ جِدًّا.
فَإِنَّ الْقِيَاسَ قَدْ يُفِيدُ الْقَطْعَ كَمَا سَيَأْتِي. وَإِنْ قُلْنَا: لا يُفِيدُ إلاَّ الظَّنَّ فَخَبَرُ الْوَاحِدِ وَنَحْوُهُ لا يُفِيدُ إلاَّ الظَّنَّ وهو من السنة، وجعلنا السنة أصلًا.
السنة منها متواتر ومنها آحاد، والآحاد منه -إن لم يكن كله- يفيد الظن، حينئذٍ جعلناه من الأصل، إذًا: لا اعتبار بكون هذا الدليل أصلًا أو فرعًا إلى كونه يفيد القطع أو الظن، لا اعتبار بذلك.
(وَهُوَمُسْتَنْبَطٌ مِنْ الثَّلَاثَةِ) يعني: القياس الَّتِي هِيَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالإِجْمَاعُ.
وَأَمَّا الأَدِلَّةُ الَّتِي اُشْتُهِرَ الْخِلافُ فِيهَا فَخَمْسَةٌ: الاِسْتِصْحَابُ والصحيح أنه ليس بدليل.
{وَشَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا} وهو دليل بشرطه.
{وَالاسْتِقْرَاءُ} وهو دليل {وَمَذْهَبُ الصَّحَابِيِّ} ويأتي.
{وَالاسْتِحْسَانُ} هذه خمسة مختلف فيها يأتي بحثها في محلها.
{وَقَدْ آنَ الْكَلامُ عَلَى هَذِهِ الأَدِلَّةِ} .
ولما كان القرآن هو أصل الأدلة كلها وقد قال الله تعالى: (( وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ ) ) [النحل:89] انتبه (( لِكُلِّ شَيْءٍ ) )هذه، افهمها على وجه الأصول، يعني: ما من شيء يطلق عليه أنه شيء إلا وهو معلوم من القرآن؛ لأنه قال: (( وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا ) ) [النحل:89] (( تِبْيَانًا ) )هذا حال من الكتاب، والحال وصف، وحينئذٍ دل على أن الكتاب بيان، بيان لبعض الأحكام دون بعض أو للجميع؟ قال: (( لِكُلِّ شَيْءٍ ) ) [النحل:89] ولذلك السنة مفسِّرة -كما قال أئمة السلف- للقرآن.