عدم إدراكنا لا يلزم منه نفي اللفظ البتة، وإنما هي تنطق بما أنطقها الله تعالى.
ولذلك (( قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ ) ) [فصلت:11] قَالَتَا، ما هو القول عند النحاة؟ هو اللفظ الدال على معنى، واللفظ لا يكون لفظًا إلا إذا كان صوتًا؛ لأن اللفظ هو الصوت المشتمل ... إلى آخره.
إذًا: الله عز وجل يقول: (( قَالَتَا ) ) [فصلت:11] أخبرنا عن ذلك، سمعنا وأطعنا، آمنا واعتقدنا بما دل عليه النص، وإن عجَزت عقولنا عن إدراك حقيقة القول، لكنهما قالتا كما قال الباري جل وعلا، ولا نعدل إلى كونه مجازًا البتة؛ لأنه أمكن حمله على حقيقته.
ولذلك أورد المصنف كذلك قوله تعالى: (( يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ ) ) [ق:30] (( نَقُولُ لِجَهَنَّمَ ) )قول أم لا؟ قول بلفظ ومعنى، (( هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ ) ) [ق:30] تتكلم جهنم أو لا؟ تتكلم .. بالنص، فمن أوَّل فقد حرَّف النص.
حينئذٍ نقول: من هذه النصوص وهذه القواعد ثبت أن المخلوق الذي هو غير الإنسان يتصف بصفة القول واللفظِ والكلام، ولم يستلزم ذلك أن يكون خارجًا من هواء بين جرمين، وكذلك حق الباري جل وعلا.
قال رحمه الله تعالى: (وَإِنَّ سُمِّيَ بِهِ الْمَعْنَى النَّفْسِيُّ وَهُوَ نِسْبَةٌ بَيْنَ مُفْرَدَيْنِ قَائِمَةٌ بِالْمُتَكَلِّمِ فَمَجَازٌ) وهذا يحتاج إلى تحرير.
(وَإِنَّ سُمِّيَ بِهِ) الضمير يعود إلى الكلام.
(الْمَعْنَى النَّفْسِيُّ) يعني: قد يطلق الكلام ويراد به المعنى النفسي، وأطلق المصنف ولم يقل""بقيد"، لو قال:"بقيد"قد يُتسامح معه، وإنما أطلقه، يعني: لفظ الكلام يُطلق على المعنى النفسي دون قيد."
لو قال بقيد قد يقال بأنه يُسلَّم له كما قال تعالى: (( وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ) )لأن القول والكلام إذا أُطلق لم ينصرف إلا إلى شيء واحد وهو اللفظ والمعنى معًا، ولا يعبّر بالكلام عن المعنى النفسي، كما أنه لا يُعبّر عن القول عن المعنى النفسي، إلا إذا قُيّد فثم قرينة تدل على أنه مجاز، فحينئذٍ قوله: (( وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ) )هذا نقول ثبتت القرينة.
زوَّرتُ في نفسي كلامًا، إذًا: أَطلق الكلام على النفس، وجاء التنصيص: زوَّرتُ في نفسي، وأما إطلاق اللفظ هكذا دون قرينة فلا يُسلّم بأنه قد يستعمل مجازًا، بل المراد به: حقيقته ابتداء.
قال: (وَهُوَ) أي المعنى النفسي، أراد أن يبين المعنى النفسي، ما هو؟
وهو الذي عناه الأشاعرة في تفسير كلام الباري جل وعلا.
(نِسْبَةٌ بَيْنَ مُفْرَدَيْنِ قَائِمَةٌ بِالْمُتَكَلِّمِ) .
مر معنا أن التصديق لا يكون إلا بأربع إدراكات: إدراك الموضوع فقط، وإدراك المحمول فقط، إدراك النسبة.
يعني: ارتباط بين الموضوع والمحمول، ثم يأتي التصديق الرابع، وهو إدراك الوقوع وعدم الوقوع.
قالوا: إدراك الموضوع وإدراك المحمول وإدراك الارتباط في النفس يقع ابتداء في النفس، ثم بعد ذلك يستعير له المتكلم لفظًا فيعبّر عما وقع في نفسه.
هذا الذي عناه بالمعنى النفسي، أنه يُدرك معنى المحكوم عليه ومعنى المحكوم به والارتباط، ثم بعد ذلك يختار له بعض الألفاظ ويُعبّر عنه، قبل أن يتكلم يسمى كلامًا نفسيًا، ولذلك قال: (نِسْبَةٌ) يعني: ارتباط.