(بَيْنَ مُفْرَدَيْنِ) ليس المراد المفرد الذي يقابل المثنى والجمع في باب الإعراب، وإنما ما يعم المركب.
(قَائِمَةٌ) أي: تلك النسبة.
(بِالْمُتَكَلِّمِ)
قال هنا: {وَنَعْنِي بِالنِّسْبَةِ بَيْنَ الْمُفْرَدَيْنِ} هذا يبين لك معنى قول الأشاعرة، لأن هذا كلامهم وأخذه نصًا .. كلام الرازي وغيره، فيبين لك معنى الكلام النفسي عند الأشاعرة، وهذا هو الذي يُفسَّر به كلام الباري جل وعلا.
قال: {وَنَعْنِي بِالنِّسْبَةِ بَيْنَ الْمُفْرَدَيْنِ أَيْ: بَيْنَ الْمَعْنَيَيْنِ الْمُفْرَدَيْنِ} وهو ما دل عليه الموضوع وما دل عليه المحمول.
{أَيْ: بَيْنَ الْمَعْنَيَيْنِ الْمُفْرَدَيْنِ تَعَلُّقَ أَحَدِهِمَا بِالآخَرِ} ، وهو النسبة يعني: الإضافة.
وَإِضَافَتَهُ إلَيْهِ عَلَى جِهَةِ الإِسْنَادِ الإِفَادِيِّ، بِحَيْثُ إِذَا عُبِّرَ عَنْ تِلْكَ النِّسْبَةِ بِلَفْظٍ يُطَابِقُهَا وَيُؤَدِّي مَعْنَاهَا: كَانَ ذَلِكَ اللَّفْظُ إِسْنَادًا إفَادِيًّا.
وَمَعْنَى قِيَامِ النِّسْبَةِ بِالْمُتَكَلِّمِ: مَا قَالَهُ الْفَخْرُ الرَّازِيّ وهو إمام عندهم في هذا المذهب.
{وَهُوَ أَنَّ الشَّخْصَ إِذَا قَالَ لِغَيْرِهِ: اسْقِنِي مَاءً} .
"اسقني ماءً"هذا مركب إسنادي مفيد وهو كلام .. لفظًا.
{فَقَبْلَ أَنْ يَتَلَفَّظَ بِهَذِهِ الصِّيغَةِ قَامَ بِنَفْسِهِ تَصَوُّرُ حَقِيقَةِ السَّقْيِ} فقط {وَحَقِيقَةِ الْمَاءِ} يعني: ما المراد بالسقي، وما المراد بالماء.
{وَالنِّسْبَةِ الطَّلَبِيَّةِ بَيْنَهُمَا} العلاقة.
{فَهَذَا هُوَ الْكَلامُ النَّفْسِيُّ. وَالْمَعْنَى الْقَائِمِ بِالنَّفْسِ، وَصِيغَةُ قَوْلِهِ: اسْقِنِي مَاءً، عِبَارَةٌ عَنْهُ وَدَلِيلٌ عَنْهُ} .
يعني: تدل عليه، وهي تعبير عنه، وأما الكلام حقيقة فهو ما قام بالنفس.
{وَقَالَ الْقَرَافِيُّ: كُلُّ عَاقِلٍ يَجِدُ فِي نَفْسِهِ الأَمْرَ وَالنَّهْيَ، وَالْخَبَرَ عَنْ كَوْنِ الْوَاحِدِ نِصْفَ الاثْنَيْنِ، وَعَنْ حُدُوثِ الْعَالَمِ وَنَحْوَ ذَلِكَ، وَهُوَ غَيْرُ مُخْتَلَفٍ فِيهِ، ثُمَّ يُعَبَّرُ عَنْهُ بِعِبَارَاتٍ وَلُغَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ. فَالْمُخْتَلِفُ هُوَ الْكَلامُ اللِّسَانِيُّ، وَغَيْرُ الْمُخْتَلِفِ هُوَ الْكَلامُ النَّفْسِيُّ الْقَائِمُ بِذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى} .
وهذا فاسد، ولذلك قيل: كلام الله تعالى واحد وهو التوراة، وهو الإنجيل، وهو الزبور، وهو صحف إبراهيم، وهو القرآن.
يعني: تعدَّدت اللغات فقط، وأما الكلام النفسي فهو شيء واحد، وقد نص عليه كما هنا، وهذا باطل.
{وَهَذَا حَقِيقَةُ مَذْهَبِهِمْ. لَكِنَّ الأَشْعَرِيَّ وَأَتْبَاعَهُ قَالُوا: الْقُرْآنُ الْمَوْجُودُ عِنْدَنَا حِكَايَةُ كَلاَمِ اللَّهِ تَعَالَى. وَابْنُ كُلاَبٍ وَأَتْبَاعُهُ قَالُوا: الْقُرْآنُ الْمَوْجُودُ بَيْنَ النَّاسِ عِبَارَةٌ عَنْ كَلاَمِ اللَّهِ تَعَالَى لاَ عَيْنِهِ} والحاصل: أنه متى أُطلق الكلام على المعنى النفسي فإطلاقه عليه مجازٌ، يعني: يسمى مجازًا.