هنا أراد أن يفصل لنا الإدراك، الإدراك إن كان متعلقه المفردات فهو تصور، وهو ما عنوَن له هنا بقوله: (بِلَا حُكْمِ) يعني: يدرك الموضوع ويدرك المحمول، والنسبة من حيث هي لكن دون أن يحكم على الموضوع بمضمون المحمول فهذا يسمى تصورًا.
(الْإِدْرَاكُ) قال: {أَيْ إدْرَاكُ مَاهِيَّةِ الشَّيْءِ (بِلاَ حُكْمِ) عَلَيْهَا بِنَفْيٍ أَوْ إثْبَاتٍ, (تَصَوُّرٌ) } قولك: زيد قائم، إذا أدرك معنى زيد يعني: فهم المراد بزيد، هذا يسمى تصورًا، وقائم أدرك معنى قائم يعني: فهِم المراد بكلمة قائم، حينئذٍ يسمى تصورًا لأنه إدراك مفرد.
النسبة بينهما .. العلاقة والارتباط .. التعلُّق بين زيد وقائم يمكن أو لا يمكن، هذا يسمى تصورًا.
إسناد القيام إلى زيد يسمى تصورًا، وقوعه في الخارج بالفعل أو عدم وقوعه هذا يسمى تصديقًا.
فإدراك الموضوع فقط تصور، وإدراك المحمول فقط تصور، وإدراك النسبة فقط تصور، ثم وقوع النسبة في الخارج وهو ثبوت القيام لزيد؛ لأنه ليس كل من قال: زيد قائم، صدق وطابق الواقع، قد يقول قائل: زيد قائم ولم يطابق الواقع، فحينئذٍ نقول: هذا ليس بتصديق، لا بد أن يكون مدركًا للوقوع واللاوقوع، الإيقاع والانتزاع كما عبر عنه بعضهم.
(وَالْإِدْرَاكُ بِلَا حُكْمِ) قال: (تَصَوُّرٌ) {لأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ سِوَى صُورَةِ الشَّيْءِ فِي الذِّهْنِ} يعني: سمي تصورًا لأنه حصل صورة الشيء في الذهن دون حكمه.
(وَبِهِ تَصْدِيقٌ) الواو بمعنى مع، {أَيْ وَبِالْحُكْمِ, يَعْنِي, أَنَّ تَصَوُّرَ مَاهِيَّةِ الشَّيْءِ مَعَ الْحُكْمِ عَلَيْهَا بِإِيجَابٍ أَوْ سَلْبٍ} (تَصْدِيقٌ) {أَيْ يُسَمَّى تَصْدِيقًا. وَقَدْ ظَهَرَ مِنْ هَذَا أَنَّ التَّصَوُّرَ إدْرَاكُ الْحَقَائِقِ مُجَرَّدَةً عَنْ الأَحْكَامِ} لا يحكم عليها لا بإثبات ولا بنفي، فكل حقيقة من الحقائق تصورها الذهن يعني: عرف معناها ولم يثبت لها شيء أو ينفي عنها شيء يسمى تصورًا.
{وَأَنَّ التَّصْدِيقَ إدْرَاكٌ نِسْبَةٌ حُكْمِيَّةٌ بَيْنَ الْحَقَائِقِ بِالإِيجَابِ أَوْ السَّلْبِ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ التَّصَوُّرُ تَصَوُّرًا لأَخْذِهِ مِنْ الصُّورَةِ ; لأَنَّ حُصُولَ صُورَةِ الشَّيْءِ فِي الذِّهْنِ، وَسُمِّيَ التَّصْدِيقُ تَصْدِيقًا لأَنَّ فِيهِ حُكْمًا يَصْدُقُ فِيهِ أَوْ يَكْذِبُ سُمِّيَ بِأَشْرَفِ لاَزِمَيْ الْحُكْمِ فِي النِّسْبَةِ} .
الخبر: ما احتمل الصدق والكذب، الجملة الاسمية والجملة الخبرية خبر في الأصل، حينئذٍ نقول: ما احتمل الصدق والكذب سمي بالصدق من باب التفاؤل، وإلا قد يكون كذبًا.
{فَكُلُّ تَصْدِيقٍ مُتَضَمِّنٌ مِنْ مُطْلَقِ التَّصَوُّرِ ثَلاَثَ تَصَوُّرَاتٍ: تَصَوُّرَ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ, وَالْمَحْكُومِ بِهِ مِنْ حَيْثُ هُمَا, ثُمَّ تَصَوُّرُ نِسْبَةِ أَحَدِهِمَا لِلآخَرِ, فَالْحُكْمُ يَكُونُ تَصَوُّرًا رَابِعًا, لاِنَّهُ تَصَوُّرُ تِلْكَ النِّسْبَةِ مُوجَبَةً, أَوْ تَصَوُّرُهَا مَنْفِيَّةً, وَكُلٌّ مِنْ التَّصَوُّرِ وَالتَّصْدِيقِ ضَرُورِيٌّ وَنَظَرِيٌّ} .