أولًا: أنه لا يمكن النظر في المعلومات ليستحصل المجهولات، تصورات كانت أو تصديقات بأي معلوم، لا بد من معلوم مناسب، ثم هذه المعلومات لا يمكن أن تكون هكذا مبعثرة، بل لا بد من هيئة خاصة ولا بد من ترتيب معين.
ثم قال: فإذا حصل لنا شعور بأمر تصوري أو تصديقي، يعني: أردت علمه وهو مجهول لديك، وحاولنا تحصيله على وجه أكمل فلا بد أن يتحرك الذهن في المعلومات المخزونة عنده، منتقلًا من معلوم لآخر حتى يجد المعلومات المناسبة لذلك المطلوب، وهي المسماة بمباديه .. مبادئ، يعني: المعلومات المخزنة.
ثم لا بد أيضًا أن يتحرك الذهن في تلك المبادئ بترتيبها ترتيبًا خاصًا يؤدي إلى ذلك المطلوب، فهناك حركتان. مبدأ الأولى منهما هو المطلوب المشعور به بذلك الوجه الناقص يعني: التصور المجهول والتصديق المجهول، ومنتهاها آخر ما يحصل من تلك المبادئ.
ومبدأ الثانية: أول ما يوضع من الترتيب ومنتهاها المشعور به على الوجه الأكمل، فحقيقة النظر: التوسط بين المعلوم والمجهول، وهو مجموع هاتين الحركتين اللتين هما من قبيل الحركة في الكيفيات، فالمتقدمون ذهبوا إلى أن الفكر هو مجموع الحركتين، وهو الذي اعتمده هنا المصنف.
وذهب المتأخرون إلى أنه الترتيب اللازم للحركة الثانية. هذا كلام العطار.
فقول المصنف هنا: (وَالْفِكْرُ هُنَا حَرَكَةُ النَّفْسِ) أي: الذهن (مِنْ الْمَطَالِبِ) وهو الشعور بأمر تصوري أو تصديقي يُطلب حصوله (إِلَى الْمَبَادِئِ) وهي المعلومات المخزونة في النفس.
فالحركة هنا من المطالب إلى المبادئ؛ حتى يجد المعلومات المناسبة وهذه هي المبادئ.
(وَرُجُوعُهَا) {أَيْ حَرَكَةُ النَّفْسِ} أي الذهن، من المبادئ .. المعلومات المخزنة بعد ترتيبها ترتيبًا خاصًا (إِلَيْهَا) أي: إلى المطالب فهاتان حركتان.
قال الشارح: {وَيَرْسُمُ الْفِكْرُ بِهَذَا الْمَعْنَى بِتَرْتِيبِ أُصُولٍ حَاصِلَةٍ فِي الذِّهْنِ لِيَتَوَصَّلَ بِهَا إلَى تَحْصِيلِ غَيْرِ الْحَاصِلِ} يعني: تصديق مجهول أو تصور مجهول.
هذا الإنسان لا ينفك عنه أبدًا، وإن كان لا يرتبه بهذا الترتيب، لكن هذا هو الواقع والحاصل، أنه لا يمكن أن يصل إلى أمر مجهول إلا بمعلومات تستقر في نفسه، ثم المعلومات هذه قد يستفسر عنها غيره.
{بِتَرْتِيبِ أُصُولٍ حَاصِلَةٍ فِي الذِّهْنِ لِيَتَوَصَّلَ بِهَا إلَى تَحْصِيلِ غَيْرِ الْحَاصِلِ} فينتقل من أمور حاصلة ذهنًا إلى أمور مستحصلة، وتعريف الفكر زاده المصنف على التحرير.
ثم قال رحمه الله تعالى: (وَالْإِدْرَاكُ بِلَا حُكْمِ تَصَوُّرٌ وَبِهِ تَصْدِيقٌ) مرَّ معنا الإدراك: مصدر أدرَك يُدرِكُ إِدراكًا.
والإدراك: هو وصول النفس إلى المعنى بتمامه من نسبة أو غيرها، من نسبة المراد بها التصديق، وغير النسبة ما يقابله وهو التصورات.
وصول النفس، المراد بالنفس الذهن أو العقل أو القلب، يعني: ما يكون فيه المعلومات.
وصول النفس إلى المعنى وهو ما يقصد من اللفظ، بتمامه يعني: بكماله، احترازًا عن الشعور، من نسبة أو غيرها، من نسبة: المراد به التصديق، أو غيرها: المراد به التصور.