فهرس الكتاب

الصفحة 61 من 1890

يعني إن كانت المقدمات يقينية أفادت اليقين، وإن كانت ظنية أفادت الظن، فحينئذٍ: (النَّظَرُ هُنَا فِكْرٌ يُطْلَبُ بِهِ عِلْمٌ) متى؟ إن كانت المقدمات يقينية، (أَوْ) للتنويع، (ظَنٌّ) متى؟ إن كانت المقدمات ظنية أفاد الظن.

قال الشارح: {وَإِنَّمَا قُلْت"هُنَا"لأَنَّ النَّظَرَ لَهُ مُسَمَّيَاتٌ غَيْرُ ذَلِكَ} يعني: اختلفت عبارات أصحاب الفنون في تعريف النظر، الأصوليون لهم تعريف، وعند المناطقة لهم تعريف، وفي اللغة كذلك له تعريف.

لما ذكر الفكر وهو أخذه جنسًا في حد النظر أراد أن يبين الفكر.

فقال: (وَالْفِكْرُ هُنَا حَرَكَةُ النَّفْسِ مِنْ الْمَطَالِبِ إِلَى الْمَبَادِئِ وَرُجُوعُهَا مِنْهَا إلَيْهَا) .

إذًا: عرّف لنا النظر وذكر الفكر جنسًا في حد النظر، ثم أراد أن يبين لنا ما هو الفكر، فقال: (حَرَكَةُ النَّفْسِ) أي: الذهن (مِنْ الْمَطَالِبِ) يعني: ما يطلب حصول علمه؛ لأن الأصل في النظر إنما هو ملاحظة المعقول ليستحصل به المجهول، يعني: تكون عنده معلومات مخزنة في الذهن فإذا شعر بطلب تصور لشيء ما أو تصديق لشيء ما يجهله -تصور مجهول وتصديق مجهول- كيف يصنع؟

الأصل في الإنسان أنه ينظر في المعلومات التي عنده، فيتحرك الذهن الحركة الأولى من المطالب إلى المبادئ، ما هي المطالب؟ ما يطلب علمه وهو التصور المجهول والتصديق المجهول، (إِلَى الْمَبَادِئِ) وهي المعلومات المخزنة عنده، هذه الحركة الأولى، (وَرُجُوعُهَا) أي: حركة النفس الذي هو العقل والذهن والقوة الناطقة، (مِنْهَا إلَيْهَا) يعني: مِنْ الْمَبَادِئِ إلَى الْمَطَالِبِ، فحينئذٍ يبحث وينظر في المعلومات التي خُزنت عنده .. في ذهنه .. في عقله .. في باطنه، ويحصل له ترتيب معلوم وهو ما يسمى بالقياس ونحوه، فحينئذٍ يصل بهذا النظر إلى استحصال المجهول، فيتوصل بالنظر في هذه المعلومات إلى معرفة التصور المجهول والتصديق المجهول.

إذًا: (حَرَكَةُ النَّفْسِ مِنْ الْمَطَالِبِ إلَى الْمَبَادِئِ) ما هي المطالب؟ التصور المجهول والتصديق المجهول.

(إلَى الْمَبَادِئِ) ما هي المبادئ؟ المعلومات المخزنة التي هي في الذهن عنده، في القلب أو العقل .. إلى آخره.

ثم يرجع منها، بعد أن ينظر في هذه المعلومات ويقلبها وينظر ما يناسب التصور المجهول أو التصديق المجهول يرجع منها إليها، فحينئذٍ يحصل التفسير والعلم بالتصور والتصديق.

قال العطار في حاشية الخبيصي: تحرير المقام، أنه لا شبهة في أن كل مجهول لا يمكن اكتسابه من أي معلوم اتفق، المجهول هل يمكن أن يُفهم ويفسر بأي معلوم، أو لا بد من معلوم مناسب؟ لا بد من معلوم مناسب، وهذا واضح، وهذه قاعدة جيدة، أنه لا شبهة في أن كل مجهول لا يمكن اكتسابه من أي معلوم اتفق، بل لا بد من معلومات مناسبة له، ومعلوم أنه لا يمكن تحصيله من تلك المعلومات على أي وجه كان، هكذا مبعثرة لا، لا بد من ترتيب معين.

بل لا بد هناك من ترتيب معين فيما بين تلك المعلومات ومن هيئة مخصوصة عارضة لها بسبب ذلك الترتيب، هذه قاعدة أولى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت