فهرس الكتاب

الصفحة 635 من 1890

وأما ما أراده المصنف فهو النوع الثاني الذي جاء في آية آل عمران"منه ومنه"، وأما الإحكام العام ليس هو الذي عرَّفه هنا، والتشابه العام ليس الذي عرفه هنا، وإنما عند التقابل (( مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ) ) [آل عمران:7] هذه قطعة هي التي وقع فيها النزاع: ما المراد بالمحكم وما المراد بالمتشابه؟

على أقوال عديدة جدًا، وما قدمه المصنف هو المعتمد وهو الصحيح.

قال: (وَمَا اتَّضَحَ مَعْنَاهُ مُحْكَمٌ) ، (وَمَا اتَّضَحَ) (مَا) يعني: لفظ من القرآن (اتَّضَحَ مَعْنَاهُ) وهو الذي عبّر عنه القاضي بأنه المُفسَّر، يعني: بنفسه لا يحتاج إلى غيره، هذا سماه محكمًا.

{وَمَا اتَّضَحَ مَعْنَاهُ مِنْ الْقُرْآنِ} يعني: استقل بنفسه في الدلالة على المعنى، ولم يحتج إلى غيره يبينه ويوضحه.

لأن الله تعالى سمى المحكمات أم الكتاب، وأم الشيء: أصله، هذا الأصل.

وأم الشيء: الأصل الذي يتقدمه غيره، فيجب أن يكون المحكم غير محتاج إلى غيره، بل هو أصلٌ بنفسه. الأصل الذي لا يتقدمه غيره، فحينئذٍ نقول: هو أصل بنفسه فلا يحتاج إلى غيره البتة، هذا المحكم.

إذًا: ما هو المحكم (( مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ ) ) [آل عمران:7] ؟

يعني: واضحة الدلالة على المراد، بحيث يفهم منها معناها دون احتياج إلى نص آخر، يسمى المحكم.

فَهُوَ مُحْكَمٌ مُفْعَلٌ مِنْ أَحْكَمْتُ الشَّيْءَ أُحْكِمُهُ إحْكَامًا، فَهُوَ مُحْكَمٌ إذَا أَتْقَنْته، فَكَانَ فِي غَايَةِ مَا يَنْبَغِي مِنْ الْحِكْمَةِ.

وَمِنْهُ: بِنَاءٌ مُحْكَمٌ، أَيْ ثَابِتٌ يَبْعُدُ انْهِدَامُهُ. وَذَلِكَ كَالنُّصُوصِ وَالظَّوَاهِرِ.

النصوص واضحة، النص: ما لا يحتمل غيره، والظاهر؟ هنا اتضح معناه؛ لأن القاعدة التي ستأتي معنا إن شاء الله تعالى في باب الظاهر: أن الظاهر يجب -شرعًا- إعماله على ظاهره، ولا يصرف إلى المعنى المرجوح إلا بدليل، وإذا لم يأت دليل فحينئذٍ في الدلالة هو كالنص من حيث العمل، فيجب العمل بالظاهر على ظاهره، وهو ما احتمل أمرين أحدهما أرجح من الآخر.

حينئذٍ نقول: يجب العمل بالراجح، ويجب العمل بالظاهر، ولا يجوز العدول إلى المرجوح أو غير الظاهر إلا بدليل، وإذا لم يأت دليل نقول: العمل به.

إذًا: اتضح معناه أو لا؟ اتضح معناه، عند الدليل هو متضح المعنى.

وكذلك عند الدليل، ولا إشكال فيه.

{كَالنُّصُوصِ وَالظَّوَاهِرِ؛ لأَنَّهُ مِنْ الْبَيَانِ فِي غَايَةِ الإِحْكَامِ وَالإِتْقَانِ} وهذا أجود ما قيل فيه، يعني: في حد المحكم، وهو قول القاضي في العدة. قال: المحكم: المفسَّر.

(وَعَكْسُهُ) أي: عكس المحكم، أي: مقابله، العكس خلافه .. العكس اللغوي وليس المنطقي، (مُتَشَابِهٌ) للنص (( مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ ) )، قال: (( وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ) ) [آل عمران:7] .

(مُتَشَابِهٌ) متفاعِل من الشَّبَه، والشُّبهَة والشَّبِية: هو ما بينه وبين غيره أمر مشترك، يعني: فيه تردد. يشتبه ويلتبس به، وهو عكسه، ما اتضح معناه: المحكم.

إذًا: عكسه ما هو؟ ما لم يتضح معناه: المتشابه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت