قوله: (تَمْيِيزًا جَازِمًا) هذا يردنا إلى قوله: (فَصْلٌ: الْعِلْمُ) ما هو العلم؟
فسّره بما ذكر، لكن خصه بالتمييز الجازم، هذا يدل على أنه أراد أحد أنواع العلم، العلم إما تصور وإما تصديق، حينئذٍ إذا عُرّف العلم فالأصل فيه أنه يشمل النوعين، يعني يأتي بتعريف يشمل التصور ويشمل التصديق، لكن ليس المراد هنا الذي عنوَن له المصنف في هذا الفصل، لماذا؟ لأنه خص التعريف بالجازم، والجازم إنما يكون وصفًا للتصديق لا للتصور، فخرج التصور، ثم التصديق على مرتبتين: جازم وغير جازم، فالتقييد بالجازم أخرج التصديق غير الجازم، حينئذٍ أراد أن يعرّف نوعًا من أنواع العلم وهو التصديق الجازم، وأما التصور والتصديق الظني غير الجازم، فهذا ليس داخلًا في الحد، وهذا مجرد اصطلاح فحسب، وإلا الصحيح العلم يعرف بأنه: إدراك المعاني، فيشمل التصور بنوعيه الضروري والنظري، ويشمل التصديق بنوعيه الضروري والنظري، والجازم وغيره، وأما الذي يذكره الأصوليون في هذا الباب فيما يتعلق بالعلم والمعرفة وأقسامها وإطلاقاتها فكلها اصطلاحات، يعني لا يشهد لها شيء من لسان العرب، فالعلم هو المعرفة والمعرفة هي العلم، والعلم يراد به التصور والتصديق مطلقًا.
إذًا: هذا الذي يمكن أن يكون خلاصة البحث، وأما ما جرى عليه الأصوليون فهو اصطلاحات خاصة بهم.
قال: (هُوَ صِفَةٌ) .
(هُوَ) أي: العلم، (صِفَةٌ) وهو ما دل على معنى يسمى صفة، أو هي معنى قائم بالموصوف، كالجنس للحد يتناول جميع الصفات كالحياة، والقدرة، والإرادة .. (صِفَةٌ) هذا لفظ عام.
(يُمَيِّزُ الْمُتَّصِفُ بِهَا) أي: بهذه الصفة، التمييز .. ميَّز الشيء عن الشيء يعني فصله، التمييز هو الفصل، (يُمَيِّزُ الْمُتَّصِفُ بِهَا) هنا ذكَّر، لم يقل: صفة تميز، قال: (صِفَةٌ يُمَيِّزُ) ، باعتبار الفاعل (الْمُتَّصِفُ) ، (يُمَيِّزُ الْمُتَّصِفُ بِهَا) وهو مذكر، وإلا الأصل أن يقول: تميز الصفة، لكن لما ذكَر الفاعل وذكَّره حينئذٍ ذكَّر الفعل.
(يُمَيِّزُ الْمُتَّصِفُ بِهَا) يعني: الذي اتصف بهذه الصفة يحصل له تمييز وفصل {بَيْنَ الْجَوَاهِرِ وَالأَجْسَامِ وَالأَعْرَاضِ, وَالْوَاجِبِ وَالْمُمْكِنِ وَالْمُمْتَنِعِ} يعني: يميز ويفصل به بين الحقائق، هذا المراد، وهذا فصل أخرج به جميع الصفات إلا الصفة المذكورة، ودخل الظن والشك والوهم؛ لأنها جميعًا صفات توجب تمييزًا ولو بوجه ما، الظن يحصل به تمييز، والوهم يحصل به تمييز، والشك كذلك يحصل به تمييز، على الخلاف هل هو حكم أم لا؟
وقوله: (تَمْيِيزًا جَازِمًا) هذا قلنا نأخذ منه أنه أراد تعريف نوع من أنواع العلم، وهو التصديق الجازم. (تَمْيِيزًا جَازِمًا) أخرج التمييز غير الجازم وهو الظن والشك والوهم، (مُطَابِقًا) {أَيْ لاَ يَحْتَمِلُ النَّقِيضَ} أي: المخالف، أخرج ما لا يطابق، وهذا سيأتي الاعتقاد الآتي ذكره.
فالمطابق: هو الموافق لما في نفس الأمر، وبه خرج الجهل المركب، وهو الاعتقاد الفاسد كما سيأتي، والتمييز المطابق هو الذي لا يحتمل النقيض يعني: لا يحتمل المخالف، لا بد أن يقع كما هو.