إذًا: هذا تعريف العلم: (صِفَةٌ يُمَيِّزُ الْمُتَّصِفُ بِهَا) بين الحقائق (تَمْيِيزًا جَازِمًا) يعني لا يقع فيه شك ولا ظن ولا وهم، (مُطَابِقًا) هذا التمييز للواقع، بمعنى أنه يكون بنفس الأمر، فإن كان مخالفًا فحينئذٍ يكون جهلًا مركبًا، هذا حد العلم لكن نقول: هذا حد العلم بمعنى التصديق الجازم، وأما التصديق غير الجازم فليس داخلًا في الحد، وكذلك التصور ليس داخلًا في الحد.
ثم اختلفوا بعد ذلك: هل يدخل إدراك الحواس فيما لا يحتمل النقيض، وهل هو من العلم أو لا؟ على خلاف بينهم، والصحيح عند المصنف: عدم الدخول، يعني: ما حصل الإدراك بالحواس هل يسمى علمًا أو لا؟ أنا رأيتك الآن، حصل في نفسي معنى وهو حكم جازم، هل هو علم أم لا؟ فيه خلاف.
قال المصنف: (فَلَا يَدْخُلُ إِدْرَاكُ الْحَوَاسِّ) لا يدخل في ماذا؟ في حد العلم السابق: التصديق الجازم (إِدْرَاكُ الْحَوَاسِّ) وهي السمع، والبصر، والشم، والذوق، واللمس، جمع حاسة، وتسمى الحواس الظاهرة مقابَلة للباطنة.
فلا يدخل إدراك الحواس فيما لا يحتمل النقيض؛ لأنه قال: (مُطَابِقًا) احترز به، أي: لا يحتمل النقيض، هل هذا يشمل إدراك الحواس فيكون مطابقًا لما في نفس الأمر؟ قال: لا، لا يدخل؛ لأنه يحتمل الخطأ، أنا أراك الآن ويحتمل أني أخطأت، أنت تسمعني الآن ويحتمل أنك أخطأت، لستُ أنا، فلما وقع -هذا عندهم- لما وقع الاحتمال هذا قالوا: إذًا لا يكون جازمًا مطابقًا، فلا يدخل إدراك الحواس فيما لا يحتمل النقيض فلا يسمى علمًا {لِجِوَازِ غَلَطِ الْحِسِّ; لأَنَّهُ قَدْ يُدْرِكُ الشَّيْءَ لاَ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ كَالْمُسْتَدِيرِ مُسْتَوِيًا, وَالْمُتَحَرِّكِ سَاكِنًا وَنَحْوِهِمَا} .