ولأن المراد بالعلم المعنى الأخص الذي هو قسم من التصديق، يعني: نوعًا من أنواع العلم وهو التصديق الجازم، وإلا لورد ما يحتمل النقيض كالظن والتصورات الساذجة، فإنه لا يعتبر فيها مطابقة، إذًا قوله: (فَلَا يَدْخُلُ إِدْرَاكُ الْحَوَاسِّ) هذا فيه استثناء لنوع من أنواع العلم؛ لأنه قد يقع فيه الخطأ فلا يكون مطابقًا للواقع، وهذا فيه نظر، بل الصواب أنه يُفصل في إدراك الحواس: ما كان لا يحتمل النقيض كرؤيتك إياي، ورؤيتي إياك، هذا نقول: لا يحتمل النقيض، وما كان بعيدًا ونحوه فهذا الذي قد يظن فيه المستدير مستويًا وزيدًا عمرًا وحيوانًا ونحو ذلك .. وهذا كما قال هنا الأصفهاني، ولقائل أن يقول: هذا الحد إما أن يكون للعلم بالمعنى الأخص الذي هو قسم من التصديق، أو يكون للعلم بالمعنى الأعم المنقسم إلى التصور والتصديق، يعني العلم إما أن يعرّف بما يشمل التصور والتصديق، وإما أن يكون خاصًا بأحد نوعي العلم، فإن كان الثاني يعني: بالمعنى الأعم فقَيد: لا يحتمل النقيض غير صحيح يعني: إذا فسرنا العلم بما سبق وأردنا به الشامل للتصور والتصديق، فقوله: لا يحتمل النقيض غير صحيح، لماذا؟ لأن هذا القيد أخرج به بعض أنواع العلم، فلا يكون الحد جامعًا؛ لأن الظنون والاعتقادات علم بهذا المعنى، وهما يحتملان النقيض، وأيضًا التصورات الساذجة التي ليس فيها حكم وهو حصول صورة الشيء من غير كونه مطابقًا أو غير مطابق عِلم بهذا المعنى، ولم يعتبر عدم احتمال النقيض فيه، وإن كان الأول فلا نُسلم اندراج إدراك الحواس تحت الحد؛ لأن إدراك الحس من قبيل التصورات، هذا على وجه آخر.
ثم قال رحمه الله تعالى: (وَيَتَفَاوَتُ كَالْمَعْلُومِ وَالْإِيمَان) .
يعني: اختلف أهل العلم في العلم هل يتفاوت أم لا؟ ثم إذا كان يتفاوت هل تفاوته بكثرة المتعلَّقات وأما نفسه فلا يتفاوت؟ فيه قولان للأصوليين وغيرهم هما روايتان عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى، وهنا المصنف قدّم القول المشهور والمعتمد في المذهب.
قال: (وَيَتَفَاوَتُ) يعني: العلم، يعني بعضه أظهر من بعض، ليس على درجة واحدة، وهو كذلك، هومدرك بالحس.
قال: (وَيَتَفَاوَتُ) أي: {الْعِلْمُ} يعني في جزئياته، فعلم أخفى من علم، وعلم زيد أظهر من علم عمرو .. وهكذا.
عَلَى الأَصَحِّ مِنْ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ إمَامِنَا أَحْمَدَ رضي اللهُ تَعَالَى عَنْهُ. قَالَ فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ: وَهُوَ الصَّحِيحُ. وَعَلَيْهِ الأَكْثَرُ.
قَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ فِي أُصُولِهِ: الأَصَحُّ التَّفَاوُتُ ; فَإِنَّا نَجِدُ بِالضَّرُورَةِ الْفَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الْوَاحِدِ نِصْفَ الاِثْنَيْنِ, وَبَيْنَ مَا عَلِمْنَاهُ مِنْ جِهَةِ التَّوَاتُرِ, مَعَ كَوْنِ الْيَقِينِ حَاصِلًا فِيهِمَا.
ولذلك نقول: التصديق ظني، والتصديق قطعي، ولا يستويان، كل منهما علم، التصديق هذا علم، ومنه الظني ومنه القطعي هل يستويان؟ الجواب: لا. إذًا: حصل التفريق بينهما وحصل التفاوت.
(كَالْمَعْلُومِ) {أَيْ كَمَا تَتَفَاوَتُ الْمَعْلُومَاتُ} المعلومات هذه ليست على درجة واحدة، وإنما هي متفاوتة.