الرافضة وغيرهم منعوا ذلك، لكن بناء على التحسين والتقبيح العقلي، واعلم أن الرافضة قديمًا وحديثًا هم معتزلة في باب الأسماء والصفات وغيرها، فحينئذٍ يوافقون المعتزلة في كثير من المسائل؛ لأنهم في الباطن معتزلة.
حينئذٍ منعوا وقوع المعصية من الأنبياء قبل البعثة، بناء على ماذا؟ على التقبيح العقلي، يقبح عقلًا ذلك.
{فَامْتِنَاعُهَا عَقْلًا قَبْلَ الْبَعْثَةِ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّقْبِيحِ الْعَقْلِيِّ فَمَنْ أَثْبَتَهُ -كَالرَّوَافِضِ- مَنَعَهَا} فقال: لا يجوز أن يصدر منهم قبل البعثة صغيرة ولا كبيرة، واوفقهم المعتزلة في الكبائر، وجوزوا الصغائر كالأكثر ومعتمد الفريقين في ذلك: أن فيه هضمًا واحتقارًا فتنفُر الطباع عن اتباعهم، فيخل بالحكمة من بعثتهم وذلك قبيح عقلًا.
{وَمَنْ نَفَى التَّقْبِيحَ الْعَقْلِيَّ لَمْ يَمْنَعْهَا} والمراد الأمر من جهة العقل، أما الوقوع فيحتاج إلى نقل، العقل لا يمنع، وأما: هل وقع أو لا؟ لا نثبت ولا ننفي؛ لأنه يحتاج إلى نقل.
وهذا مذهب أكثر العلماء قال في شرح التحرير: وإنما قدمنا هذه المسألة لأجل ما بعدها؛ لأن الاستدلال بأفعالهم متوقف على عصمتهم.
يعني: ذكَر العصمة دليلًا على حجية السنة.
ثم قال: (وَمَعْصُومٌ بَعْدَهَا) .
يعني: كلامنا في العصمة إنما هو بعد البعثة، يعني: عقلًا وشرعًا، وأما قبل البعثة فلا يمنع العقل من عدم العصمة، وأما الوقوع فيحتاج إلى نقل.
{وَكُلُّ نَبِيٍّ مُرْسَلٍ فَهُوَ مَعْصُومٌ بَعْدَهَا أَيْ: بَعْدَ الْبَعْثَةِ} .
(مَعْصُومٌ بَعْدَهَا) من ماذا؟
قال: (مِنْ تَعَمُّدِ) إذًا: لا ينفي السهو والغلط؛ لأنه علَّق الحكم هنا بالتعمد.
(مِنْ تَعَمُّدِ مَا يُخِلُّ بِصِدْقِهِ فِيمَا دَلَّتْ الْمُعْجِزَةُ عَلَى صِدْقِهِ) يعني: القرآن وغيره، يعني: ما دلت المعجزة على صدق النبي صلى الله عليه وسلم .. نبينا، فالقرآن وغيره من الآيات كانشقاق القمر وغيره.
(فِيمَا دَلَّتْ الْمُعْجِزَةُ عَلَى صِدْقِهِ مِنْ رِسَالَةٍ وَتَبْلِيغٍ) إجماعًا.
يعني: النبي صلى الله عليه وسلم بعد البعثة، ما يتعلق بالعصمة وغيرها يعني: وقوع المعصية أو غيرها، منه ما يتعلق بالرسالة والتبليغ، ومنه ما لا يتعلق بالرسالة والتبليغ.
ما تعلق بالرسالة والتبليغ هو معصوم إجماعًا، يعني: ليس فيه خلاف بين أهل العلم، وإنما الخلاف في شيء آخر: هل تقع منه معصية صغيرة أم لا؟ في غير الرسالة والتبليغ.
فقول المصنف هنا خاص: ما تعمد مما يخل بصدقه، قال: (مِنْ رِسَالَةٍ وَتَبْلِيغٍ) .
يعني: لا يمكن أن يقع معصية من كذب وافتراء ونحوه من النبي صلى الله عليه وسلم، ولا غيره من الأنبياء المرسلين بالإجماع فيما يتعلق بالرسالة والتبليغ.
قال: {فَالإِجْمَاعُ مُنْعَقِدٌ عَلَى عِصْمَتِهِمْ مِنْ تَعَمُّدِ الْكَذِبِ فِي الأَحْكَامِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا؛ لأَنَّ الْمُعْجِزَةَ قَدْ دَلَّتْ عَلَى صِدْقِهِمْ فِيهَا} .
المراد بالمعجزة ما يتعلق بالنبي صلى الله عليه وسلم: القرآن وغيره من الآيات، يعني: ما يثبت أنه رسول.
{فَلَوْ جَازَ كَذِبُهُمْ فِيهَا لَبَطَلَتْ دَلاَلَةُ الْمُعْجِزَةِ} .