فهرس الكتاب

الصفحة 656 من 1890

قال: لأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى سَلَبَ قُدْرَتَهُ عَلَيْهَا، كما سلبه معرفة الكتابة والشعر وغيرهما، قال في القاموس: العصمة بالكسر المنع، واعتصم بالله: امتنع بلطفه من المعصية.

وقال في المصباح المنير: عصمه الله تعالى من المكروه يعصمه، من باب ضرب يضرب، عصم يعصم. وقاه وحفظه، واعتصمت بالله: امتنعت به، والاسم: العصمة.

إذًا: العصمة مأخوذ من المنع، فهو ممنوع من أن يقع منه شيءٌ يخالف ما يحبه الله تعالى ويرضاه، فدل على أن فعله وقوله وإقراره إنما يكون فيما يحبه الله تعالى ويرضاه.

{قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلاَّنِيُّ: لاَ تُطْلَقُ الْعِصْمَةُ فِي غَيْرِ الأَنْبِيَاءِ وَالْمَلائِكَةِ، إِلاَّ بِقَرِينَةِ إِرَادَةِ مَعْنَاهَا اللُّغَوِيِّ، وَهُيَ السَّلامَةُ مِنْ الشَّيْءِ} .

يعني: قد تُطلق العصمة مرادًا بها السلامة من الشيء، إذا أُطلقت بهذا المعنى فلا بأس به، لكن لا بد من قرينة، وإذا لم يكن كذلك .. إذا أريد بها سلب القدرة على المعصية، فحينئذٍ هذا يختص بالأنبياء والملائكة.

ولذلك لا يقال: القرآن معصوم؛ لأنه صفة من صفات الباري جل وعلا، من الذي عصمه .. من الذي منعه؟ هذا غلط، فلا يقال القرآن معصوم، وإنما يقال: الأنبياء معصومون لا شك في ذلك، المخلوق هو الذي تتعلق به العصمة.

حينئذٍ يُمنع من وقوع ما لا يحبه الله تعالى ويرضاه، أما القرآن فهو صفة من صفات الباري جل وعلا، فإذا قيل: معصوم حينئذٍ يرد السؤال: من الذي عصمه ومنعه؟ وهذا لا جواب عنه، ولذلك هو باطل.

{وَلِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ فِي الرِّسَالَةِ وَأَسْأَلُهُ الْعِصْمَةَ} يعني: الحفظ والسلامة وهو معناه اللغوي: أسأله العصمة، ليس المراد منه: ألا يقع منه، أو سلب القدرة على المعصية؛ لأنه لن يكون ذلك، وإنما المراد: الحفظ والوقاية والسلامة من العيوب.

قال: وَجَرَى عَلَى ذَلِكَ كَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ.

وَالْحَاصِلُ: أَنَّ السَّلامَةَ أَعَمُّ مِنْ وُجُوبِ السَّلامَةِ.

مطلق السلامة أعم من وجوب السلامة، وجوب السلامة متعلق بالأنبياء والملائكة، يعني: العصمة.

{فَقَدْ تُوجَدُ السَّلامَةُ فِي غَيْرِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَالْمَلَكِ اتِّفَاقًا لاَ وُجُوبًا. قَالَهُ الْبِرْمَاوِيُّ} .

ثم قال رحمه الله تعالى بعد أن بيّن أن العصمة هي سلب القدرة على المعصية، يعني: النبي صلى الله عليه وسلم لا تقع منه معصية، لكن هل هذا قبل البعثة أو بعدها؟

فقال: (وَلَا يَمْتَنِعُ عَقْلًا مَعْصِيَةٌ قَبْلَ الْبَعْثَةِ) من جهة العقل لا مانع أن يقع من الأنبياء معصية قبل البعثة.

(وَلَا يَمْتَنِعُ عَقْلًا) {أَيْ فِي تَصَوُّرِ الْعَقْلِ (مَعْصِيَةٌ) أَيْ: صُدُورُ مَعْصِيَةٍ مِنْ النَّبِيِّينَ} كبيرة كانت أو صغيرة، ولذلك أطلق المصنف، فصدَق بالكبيرة وصدَق بالصغيرة.

(قَبْلَ الْبَعْثَةِ) {فَامْتِنَاعُهَا عَقْلًا قَبْلَ الْبَعْثَةِ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّقْبِيحِ الْعَقْلِيِّ} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت